تحت المجهر

بالأرقام … كيف “تسرق” المافيات أموال الخزينة؟

أضاءت الأزمة المالية التي يعانيها لبنان حالياً على حجم الاستيراد المخيف والمشبوه. سنة 2018 صدّر لبنان نحو ملياري دولار اميركي، في المقابل فاق حجم الاستيراد 15 مليار دولار ليسجّل العجز التجاري حوالى 13 مليار دولار. لكن ما مدى صحة هذه الارقام؟ وهل ان الدولارات الموجودة في لبنان تمكنت فعلاً من توفير الاكتفاء لبلد الـ4 ملايين نسمة ام انّ ما خفي من أرقام وجداول هو أعظم؟

يقدّر العجز التجاري في المواد الغذائية وحده بـ 28 مليار دولار على مدى السنوات العشر الماضية. فقد عملت السياسات الخاطئة المتّبعة على تدمير مُمنهج للاقتصاد على مدى سنوات. وإذا ألقينا نظرة على الفوارق بين ارقام ما صدّرته الدول للبنان وما سجّله لبنان في دفاتره من واردات، يتبيّن حجم الفجوة التي تخفي وراءها كارتيل فساد جَنى من تدمير اقتصاد لبنان ارباحاً خيالية وقضى بطريقه على القطاعات المنتجة.

فروقات في الأرقام

بين الارقام التي تظهرها ادارة الجمارك اللبنانية وموقع tridge.com (موقع مرجع تعتمده غالبية الدول للاطلاع على حركة الاستيراد والتصدير في كل بلدان العالم) تظهر فروقات كبيرة في الارقام بين ما خرج من دول المَنشأ الى لبنان وما دخل فعلياً الى لبنان. وفي ما يلي بعض الامثلة:

– عام 2018 ووفق أرقام السعودية فقد صدّرت الى لبنان 145 الف كيلو حليب بقيمة 133 الف دولار، بينما تظهر ارقام الجمارك اللبنانية انّ لبنان استورد في العام نفسه من السعودية 5 ملايين و820 الف كيلو بقيمة 6 ملايين دولار. لهذه الفوارق عدة تفسيرات، منها انه دخل الى لبنان خلال هذا العام بعض المستوردات من السعودية تحت مسمّى حليب، لأنه مُعفى من الجمرك، بزنة 5 ملايين و600 الف كيلو في حين هو ليس بحليب. وبالنظر الى مستوردات لبنان من السعودية يظهر الحديد، الذهب، البلاستيك… وهذه المواد مرتفعة الثمن كما رسوم الجمرك المفروضة عليها، وبالتالي قد تكون دخلت من دون جمرك الى لبنان تحت مسمّى حليب.

– سنة 2018 صدّرت روسيا الى لبنان 153 الف طن من الشعير بقيمة 28 مليون دولار، بينما تظهر ارقام الجمارك انّ لبنان استورد من روسيا 64 الف طن بقيمة 14 مليون دولار، اي انّ هناك 89 الف طن خرجت من روسيا على اساس أنها تصدير الى لبنان، لكنها لم تدخل اليه. اين ذهبت هذه الكمية؟ هل دخلت الى لبنان من دون جمرك؟ هل دخلت تحت غير مسمّى؟ ام انها تحولت الى سوريا؟

– يستورد لبنان بقيمة 1.7 مليار دولار سيارات، والجمرك على كل سيارة يصل الى 50 في المئة من قيمتها، بينما تظهر ارقام الجمارك اللبنانية ما قيمته 150 مليون دولار فقط في حين انه يجب ان تكون 650 مليون دولار. فأين المبالغ المتبقية؟

 

– إستورد لبنان عام 2018 من مصر 47 الف طن من البطاطا، بينما صدّرت مصر الى لبنان 33 الف طن، بما يعني انّ هناك نحو 14 الف طن بطاطا دخلت لبنان من دون المرور عبر الجمارك.

– صدّرت تركيا الى لبنان 80 الف كيلو بندق، بينما وفق ارقام الجمارك استورد لبنان 100 الف كيلو من البندق من تركيا، ما يعني انّ هناك 20 الف كيلو دخلت الى لبنان تحت مسمّى «بندق»، بينما هو ليس بندقاً.

– عام 2014 رفعت الحكومة الدعم عن القمح. لكنّ المفارقة انه عام 2010، أي عندما كان القمح مدعوماً من قبل الدولة، كان لبنان يستورد كيلو القمح من روسيا بـ 16 سنتاً، بينما استورده لبنان بـ23 سنتاً اي 7 سنتات اضافية على الكيلو، ما يكشف تلاعباً في الفواتير ذهب خلاله الدعم الى جيوب افراد استفادوا منه على صعيد شخصي. ووفق الارقام استورد لبنان عام 2010 نحو 500 الف طن من القمح من روسيا، بما يعني انّ الربح الصافي الذي جَناه الفاسدون من هذا الدعم هو بحدود 35 مليون دولار عن عام واحد فقط.

– الفساد نفسه طالَ القمح المستورد من اوكرانيا وبالطريقة نفسها عندما كان القمح مدعوماً من الدولة، ليتبيّن انّ المواطن لم يَستفد من الدعم الذي ذهب هدراً الى جيوب الفاسدين. على سبيل المثال، صدّرت اوكرانيا في العام 2010 القمح الى لبنان بسعر 23 سنتاً للكيلو، بينما وفق الارقام الجمركية في لبنان فقد سجّل سعر كيلو القمح المستورد من اوكرانيا 27 سنتاً للكيلو. بلغ مجموع صادرات القمح من اوكرانيا الى لبنان 134.32 طناً، بينما وفق ارقام الجمارك اللبنانية، فقد استورد لبنان ما مجموعه 113.52 طناً من القمح من اوكرانيا، ما يعني انّ هناك 21 طناً دخلت الى لبنان تحت مسمّى قمح، وهو ليس قمحاً.

– صدّرت روسيا الى لبنان عام 2018 نحو 962 الف طن من القمح، بينما تظهر ارقام الجمارك اللبنانية انّ لبنان استورد من روسيا 283 الف طن، اي انّ هناك اختفاء لـ 600 الف طن، وهي امّا دخلت من دون جمرك، وامّا ذهبت الى سوريا او دخلت تحت غير مسمّى. وبالنظر الى ما تصدّره روسيا وثمنه مكلف ورسومه الجمركية عالية، تذهب الفرضيات نحو استيراد الحديد تحت مسمّى قمح.

وترجّح الفرضيات انّ لبنان يكشف فقط عن 20 في المئة من استيراده من الحديد بينما تدخل النسبة المتبقية تحت مسمّى آخر.

غبن في التصدير الزراعي

تظهر الارقام انّ لبنان يستورد من مصر ما قيمته 775 مليون دولار سنوياً، بينما يصدّر الى مصر ما قيمته 50 مليون دولار، واللافت انّ غالبية ما نصدّره الى مصر هي منتجات زراعية بأسعار بخسة اي بما معناه انّ القيمة الفعلية لِما نصدّر هي أكثر بكثير من 50 مليون دولار. على سبيل المثال، نصدّر التفاح الى مصر بـ 20 سنتاً للكيلو بينما نستورده بدولار ويُباع في السوق المحلي بـ 4000 ليرة للكيلو. هذه المعادلة تظهر انّ الاتفاقات التجارية المعقودة بين لبنان والدول مبنية على اساس خاطئ تضرّ باقتصادنا وتضرّ بالمزارعين، ليتبيّن انّ خسارة لبنان مع مصر وحدها 600 مليون دولار.

الوضع مماثل في الحمضيات التي تباع الى السعودية بـ30 سنتاً بينما يباع الكيلو في السوق المحلي في لبنان بـ4000 ليرة اي ما يعادل الدولار الواحد، اي اننا نصدّر بـ 3 مرات أقل من قيمته الفعلية، علماً انّ ما يتم تصديره الى الخارج يصنّف تحت ماركة باب أول. كذلك يصدّر لبنان الليمون الى مصر بـ 30 سنتاً للكيلو بينما نستورد الكيلو بـ1.3 دولار. كذلك يستورد لبنان التفاح من ايطاليا بدولار للكيلو، في حين نحن نصدره بـ20 سنتاً للكيلو وذلك في الموسم والنوعية والجودة نفسها. يصدّر لبنان الافوكادو بـ 80 سنتاً للكيلو في حين يُباع في السوق المحلي بما بين 2 و3 دولار للكيلو، ويستورد لبنان حوالى 100 الف كيلو من الافوكادو من مصر سنويّاً.

مصدر مطّلع على حركة التبادل التجاري للبنان، كشفَ لـ»الجمهورية» انّ هذه المعطيات تبيّن حجم مشكلة المزارع اللبناني غير القادر على الصمود تجاه هذه الاسعار. فلماذا لا يصدّر التفاح او الحمضيات او الموز… الى الخارج بقيمته الفعلية؟

يضيف المصدر: انّ ما يحصل اليوم في لبنان يعاكس تماماً ما يحصل في كل دول العالم، عوض ان تكون المنتجات اللبنانية زهيدة ومتاحة للجميع في الاسواق المحلية ومرتفعة الثمن في الدول التي نصدّر اليها يحصل العكس، نصدّر «بالبلاش»، او حتى يمكن القول نحن فعليّاً لا نصدّر، إذ انّ التصدير على هذا النحو هو تدمير للقطاعات الزراعية خصوصاً.

تابع المصدر: انّ هذه الارقام تكشف عن كارتيلات تجّار تتحكّم بالسوق اللبناني يقع ضحيتها المزارع اللبناني، الذي غالباً ما لا يعلم انّ منتجاته مصنفة للتصدير. على سبيل المثال: يستورد لبنان ما قيمته 63 الف طن بطاطا من مصر سنوياً بما يؤدي الى توفّر البطاطا بكثرة في السوق المحلي، فيضطرّ عندها المزارع الى بيع إنتاجه للتجار بأسعار زهيدة، مع العلم انّ لبنان يزرع بطاطا لمحصول واحد في حين أنه قادر على زرع 3 محاصيل في السنة والاستغناء عن الاستيراد من مصر، والأسوأ انه يزرع نوعية بطاطا غير مطلوبة، لأنها غير صالحة للقلي على عكس المصرية، وحتى الساعة لم يحاول استبدال بذور البطاطا اللبنانية ببذور أخرى صالحة للقلي.

المصدر: ايفا ابي حيدر – الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى