لبنان

تاريخ قاسم سليماني اللبناني: الكمائن والمفجّرون الانتحاريون

سامي خليفة – المدن

أثار اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني صدمة كبيرة في العالم، فقد كان لرجل الظل الإيراني دور كبير في تعزيز نفوذ إيران في المنطقة وتقديم الدعم لحزب الله في لبنان. ولا شك أن اغتياله سيفتح فصلاً جديداً من التوتر الجيوسياسي في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط.

سنواته الأولى
انضم سليماني إلى الحرس الثوري الإيراني في أوائل العشرينات من عمره بعد ثورة الخميني عام 1979. ومنذ عام 1998، شغل منصب قائد فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، فقام بخلط العمل الاستخباراتي مع استراتيجية عسكرية، لإنشاء قوات أجنبية خارج الحدود تعمل بالوكالة وفق ما تشتهي إيران.

كُرست السنوات الأولى من ولاية الجنرال سليماني في أواخر التسعينيات من القرن الماضي لدعم حزب الله ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وقاد سليماني، إلى جانب القائد العسكري لحزب الله، عماد مغنية، حملة متطورة من حرب العصابات، جمعت بين الكمائن والمفجرين الانتحاريين والقتل المستهدف لكبار الضباط الإسرائيليين والهجمات على المواقع الإسرائيلية. وفي النهاية استطاع تحقيق الانتصار مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.

حرب تموز 2006
بثت القناة الأولى في التلفزيون الإيراني الرسمي في تشرين أول 2019، مقابلة كشف فيها قاسم سليماني أنه خلال حرب تموز كان يخرج مع أمين عام حزب الله حسن نصرالله وعماد مغنية في الضاحية رغم وجود طائرات الاستطلاع الإسرائيلية.
وقال سليماني في المقابلة أنه كان يرسل من لبنان ​تقارير​ عبر الخط الآمن إلى ​طهران​، كاشفاً عن أنه كان لحزب الله غرفة عمليات في قلب الضاحية. وكانت طائرات الاستطلاع الاسرائيلية تحلق بشكل متواصل في سماء الضاحية بمجموعات ثلاثية، وترصد كل التحركات بدقة.

العمل الميداني
تقسم صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، حياة سليماني المهنية إلى فترتين. الفترة الثانية بعد الحركات الاحتجاجية الضخمة التي انطلقت في بعض البلدان العربية خلال أواخر عام 2010 ومطلع عام 2011، كان سليماني فيها قائداً لقوة لها فروع في أنحاء مختلفة من العالم، تنشط بشكل رئيسي في سوريا ولبنان والعراق. لكن في نهاية المطاف تعمل بشكل سري لأهداف متعددة.

أما الفترة الأولى فكانت عند غزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003، حين خاض رجال الميليشيات الإيرانية وحلفاؤهم العراقيون حرباً سرية ضد القوات الأميركية، وأطلقوا الصواريخ على القواعد وهاجموا القوافل. وتشير الصحيفة الأميركية، أن سليماني اعتبر أن هذه الحرب لحظة “لن تتكرر أبداً”. إذ أنها ضمنت بقاء العراق ضعيفاً وغير قادر على أن يشكل مرة أخرى تهديداً لإيران بعد الإطاحة بصدام حسين، الذي دعمته الولايات المتحدة أثناء حربه مع إيران في ثمانينات القرن الماضي.

في بعض الأحيان، كان المسؤولون الأميركيون يتواصلون سراً مع الجنرال سليماني في محاولة لتخفيف التوترات في العراق. في عام 2008، كان الجنرال الأميركي، ديفيد بترايوس، يحاول التوصل إلى هدنة بعد قتال شنته القوات الأميركية والجيش العراقي ضد الميليشيات الشيعية الموالية لإيران. وفي رواية بترايوس للقصة، عُرض عليه رسالة نصية مفادها: “الجنرال بترايوس، عليك أن تعلم أنني، قاسم سليماني، أتحكم في سياسة إيران فيما يتعلق بالعراق ولبنان وغزة وأفغانستان”.

غض النظر الأميركي
في شباط 2008، وبينما كان عملاء المخابرات الإسرائيليون والأميركيون يتعقبون عماد مغنية لتصفيته، رصد العملاء مغنية وهو يتحدث مع رجل آخر، وعلموا بسرعة أنه قاسم سليماني. اتصل الإسرائيليون بكبار المسؤولين الحكوميين. لكن رئيس الوزراء إيهود أولمرت حينذاك رفض اغتيال سليماني، لأنه وعد الأميركيين بأن مغنية هو الوحيد الذي سيكون مستهدفاً في العملية.

هذا، ونشر موقع “إنترسيبت” وصحيفة “نيويورك تايمز” في تشرين ثاني 2019، برقيات إيرانية سرية تظهر الدور الإيراني في العراق. وأهم ما جاء فيها كان زيارة سليماني في عام 2014 وزير النقل العراقي حينذاك بيان جبر، طالباً منه استخدام المجال الجوي العراقي لنقل طائرات محملة بالإمدادات العسكرية لدعم حكومة الأسد في سوريا. متجاهلاً الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لإغلاق المجال الجوي العراقي على الرحلات الجوية إلى دمشق.

النموذج الأقوى
وفي معرض استعراضها لسيرة سليماني، جزمت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، أن النموذج الأقوى الذي استطاع سليماني تحقيقه، تمثل بحزب الله، الأكثر قوةً وتنظيماً من بين جميع الوكلاء الإيرانيين في الشرق الأوسط.

بعد الغارة الجوية التي أودت بحياة سليماني، تنقل الصحيفة عن فتح الله نجاد، الباحث في معهد “بروكينغز” الأميركي، أن الرد الإيراني من خلال حزب الله لا يزال محتملاً، محذراً من أن “طهران ليس لديها أي خيارات جيدة”.

وأضاف نجاد بأن حرباً شاملة مع الولايات المتحدة من شأنها أن تعرض بقاء النظام الإيراني للخطر، كما أن التصعيد في الخليج العربي سيحرم إيران من ما تبقى من دخل مهم من خلال صادرات النفط، أما في العراق، فإمكانات التصعيد تبدو محدودة. لذلك فعبر حزب الله في لبنان، يمكن لإيران أن تنتقم من إسرائيل، وهذا ما سيؤثر على صورة حزب الله في لبنان سلبياً كراع للمصالح الإيرانية.

تغيير ميزان القوة
من جهتها، رأت مجلة “وول ستريت جورنال” الأميركية أن العراق ولبنان نجحا حتى الآن في التوفيق بين العلاقات مع واشنطن وطهران، لكن مقتل قائد فيلق القدس يغير المعادلة في الشرق الأوسط.

وتشير المجلة أن العراق ولبنان نجحا في الحفاظ على توازن بين واشنطن وطهران. وقامت الولايات المتحدة بتدريب وتمويل قوات الأمن اللبنانية والعراقية حتى مع استمرار حزب الله في السيطرة الإستراتيجية على السياسة الخارجية للبنان، ومع تولي الوكلاء الإيرانيين مناصب أمنية عليا في بغداد.

وترى المجلة أنه على الرغم من اغتيال سليماني، فإن ميزان القوة سيتغير. فالجميع في الشرق الأوسط يدرك أن هدف الرئيس ترامب المعلن هو الانسحاب من المنطقة. ويعرف الوسطاء في الشرق الأوسط جيداً أن أي شخص يتحالف مع الولايات المتحدة يمكن أن يتعرض للخيانة بين عشية وضحاها، كما حدث للقوات الكردية السورية قبل بضعة أشهر وحسب.

تأهب إسرائيلي
وفي السياق، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية، عن قيام أجهزة الأمن برفع حالة التأهب عند الحدود اللبنانية وهضبة الجولان تحسباً من أي رد إيراني قد يطال إسرائيل انتقاماً لمقتل سليماني.

وقطع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو زيارته إلى اليونان وعاد إلى تل أبيب صباح يوم الجمعة. كما تحدث الإعلام الإسرائيلي عن استنفار غير مرئي وتحركات مؤللة للجيش الاسرائيلي على طول الخط الحدودي لمستعمرة المطلة ومراقبة من خلال الكاميرات المنتشرة على الجدار الفاصل وفي المواقع العسكرية المشرفة على الجانب اللبناني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى