لبنان

باسيل خارج الحكومة اللبنانية…

يبدو المشهد اللبناني كأنه أمام مرحلة تأسيسية جديدة أو في أفضل الأحوال أمام انقلاب ناعم على اتفاق الطائف الذي عُقد في المملكة العربية السعودية عام 1989 وانتهت في إثره الحرب الاهلية اللبنانية.

مراقبون للمشهد السياسي اللبناني لا يستبعدون أن يكون بعض الأفرقاء في بيروت يسعون إلى إنهاء معادلة اتفاق الطائف وإرساء أخرى، خصوصاً أنّ من يمسك بزمام الأمور في السلطة اللبنانية الحالية هما التيار الوطني الحر وحزب الله اللذان يكُنّان “البغض” لهذا الاتفاق كل لأسبابه الخاصة. فالأول يعتبر أن الطائف أسقط “حكم” الرئيس الحالي ميشال عون عام 1990 وأخرجه من لبنان. والثاني يرى في الطائف عائقاً لمشروعه الإيراني، نظراً إلى البعد العربي للاتفاق.

ويعتبر المراقبون أن في مشهد تأليف الحكومة المرتقبة خروجاً واضحاً عن صيغة اتفاق الطائف. فمنذ تقديم الرئيس سعد الحريري استقالته في 29 تشرين الأول الماضي، بدأ رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل سلسلة لقاءات مع شخصيات سنّية تسعى إلى نيل لقب دولة الرئيس، خصوصاً بعد إعلان الحريري اعتذاره عن قبول رئاسة الحكومة المقبلة.

المسار العكسي للدستور

يقول خبراء دستوريون إنه وفق أحكام الدستور اللبناني، يمر تشكيل الحكومة بأربع مراحل تتكامل وتترابط وتسير متّسقة، لا انقطاع في ما بينها ولا يمكن تجزئتها، إذ تلعب كل سلطة من السلطات الدستورية خلالها، دورها تطبيقاً لمبادئ النظام البرلماني والتزاماً بالمصلحة العامة، فتبدأ أولاً بالاستشارات النيابية الملزمة وفق نص المادة 53، إذ يُصار إلى التكليف وفق إرادة أكثرية أعضاء مجلس النواب، لكي تبدأ المرحلة الثانية بقيام رئيس الوزراء المكلّف بتشكيل الحكومة وفق المادة 64 ويليها توقيع رئيس الجمهورية مرسوم تأليفها، قبل أن تنتهي بثقة مجلس النواب.

يضيف الخبراء أن ما يجري حالياً مناقض لروحية الدستور واتفاق الطائف، إذ يسير تأليف الحكومة بمسار عكسي، يقوده خلافاً للدستور باسيل بدل رئيس الجمهورية ميشال عون، ويبدأ بالاتفاق على الحكومة والوزراء ومن ثم موافقة رئيس الحكومة المتوقع على حكومته الجاهزة، ليصار بعدها إلى تعيين موعد للاستشارات النيابية وتكليفه. وتشير المعلومات إلى شبه اتفاق على حكومة مؤلفة من 24 وزيراً، 6 منهم وزراء دولة و18 من الاختصاصيين، الأمر الذي يضعه الخبراء الدستوريون في سياق ضرب مقام رئاسة مجلس الوزراء والطائفة السنية، وكأن الزمن عاد إلى ما قبل اتفاق الطائف، إذ كانت الصلاحيات التنفيذية بيد رئيس الجمهورية، في حين يُعتبر رئيس الحكومة بمثابة “الوزير الأول”.

“حلف الأقليات”

ويتخوّف الخبراء من أن يكون تلاقي التيار الوطني الحر وحزب الله في السلطة يعزز الجنوح في اتجاه الانقضاض على اتفاق الطائف لصالح ما يُسمى “حلف الأقليات”، الذي تدعمه طهران لتحويل الأقليات الطائفية في دولهم إلى أقليات متحالفة بوجه المكون “السني” في مختلف الأوطان العربية، ولا سيما في العراق وسوريا ولبنان، وبالتالي العائق الأساسي أمام تحقيق هذا الهدف، هو الطائف العربي.

أما في المقلب السياسي، فيستهجن كثيرون من السياسيين سلوك باسيل الذي يعيش، في رأيهم، حالاً من فائض القوة الذي يستمده من ثلاث جهات أساسية، أبرزها أنه الصهر الأقرب للرئيس عون، ويستند إلى القوة العسكرية لحزب الله لتهديد خصومه السياسيين، إضافةً إلى أن الحكومة المستقيلة التي كان للتيار 11 وزيراً فيها، وضعته في خانة “السوبر وزير” إذ كان يمتلك مفاتيح التعطيل، ما جعل صلاحياته في مكانة قريبة من صلاحيات رئيس الحكومة.

وينتقد هؤلاء محاولات الوزير باسيل ومن خلفه حزب الله لإعادة استنساخ الحكومة السابقة تحت شعار “تكنو سياسية”، في وقت يطالب الشارع اللبناني بحكومة “تكنوقراط” أو حكومة حيادية، لاستعادة الثقة الوطنية والدولية وتفعيل الاستثمارات الخارجية بهدف إنعاش الاقتصاد المتهاوي.

طوباوية باسيل

في السياق ذاته، وصف مصدر وزاري تصريحات باسيل بـ”الطوباوية”، خصوصاً في قوله “إننا مستعدون للذهاب إلى حد التضحية بالذات مقابل نجاح الحكومة، أننا لا نعرقل بل نسهّل حتى إلغاء الذات لتشكيل حكومة وإنقاذ البلاد”.

وحمّل الوزير باسيل وتياره السياسي مسؤولية الوضع الكارثي الذي وصل إليه لبنان، معتبراً ان سياسة باسيل الخارجية تسبّبت بعزل لبنان عن محيطه العربي والدولي واستجلبت عقوبات وحصاراً على لبنان، إضافة إلى أن معظم الوزارات الرئيسة التي تشوبها شبهات الفساد والهدر لطالما كانت من حصته، ولا سيما وزارة الطاقة التي تستنزف حوالى ملياري دولار سنوياً، أي ما قيمته أكثر من 20 مليار دولار منذ تولي التيارهذه الوزارة، مستغرباً قول باسيل “اعطونا كشف الحسابات والكهرباء واجتثاث الفساد ولا نريد أن نكون في الحكومة”، ومتسائلاً على مَن يحاول أن يلقي نتائج أداء فريقه السياسي؟

ويجزم المصدر نفسه بأن هناك استحالة لعودة باسيل إلى الحكومة المقبلة، على الرغم من إصراره على تسلّم وزارة الخارجية من جديد أو حصوله على وزارة الداخلية، معتبراً أن مجرد إعلان اسم باسيل في الحكومة يعني اشتعال الشارع، وهذا أمر يدركه حزب الله.

ويتوقع المصدر الاتفاق على تكليف قريب لرئيس الحكومة بعد تعيين الاستشارات النيابية خلال أيام قليلة، متخوّفاً من أن يحصل التكليف من دون أن يتم التأليف والدخول في مرحلة جديدة من المراوحة والمماطلة.

ضد الرئيس المكلف

في المقابل، تعرب مصادر في الانتفاضة الشعبية عن أسفها لاستمرار بعض القيادات السياسية في لبنان بالتصرف بالنهج ذاته الذي سبق 17 تشرين الأول، متناسيةً أن الكلمة باتت للشعب الذي يراقب كل شاردة وواردة والذي يرفض سياسات الاستخفاف بعقول المواطنين.

وتوقعت أن تكون هناك تحركات شعبية ضد أي اسم يُطرح بطريقة استفزازية ومن ضمنها الاسم الأكثر تداولاً حالياً سمير الخطيب، مشيرةً إلى أنه في حال بادر إلى تأليف حكومة سياسية، سيواجه تظاهرات في الشارع تطالبه بالحكومة الحيادية أو بالاعتذار فوراً عن تشكيل الحكومة المقبلة.

المصدر : اندبندنت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى