قنطرة للسعودي أحمد السماري/ بقلم عمر سعيد

قنطرة
رواية للسّعودي أحمد السّماري.

يتقاسم الكثير من الكتّاب الخليجيين جغرافيا المكان في الرّواية، وكذلك يتماسّون في كثير من جغرافيا الإنسان الموضوع.

في روايته ترمي بشرر، تناول الكاتب عبدة الخال أعقد المواضيع، وأشدّها حساسيّة، ليعالج فيها انقسامات حادّة في المجتمع.
لم أوفق بعد تلك الرّواية إلى قراءة رواية استوقفتني، كما فعلت قنطرة لأحمد السّماري.

يقسم الكاتب الزّمن في روايته إلى زمنين.
زمن محسوس يتلمّسه بالتّغيرات الواضحة في تركيبة المجتمع السُعودي والوافد من فترة لأخرى.
وزمن معاش نتتبّع خيطه في عوالم شخوصه الجوانية من وحيد إلى سارة فعبدالله وعيسى.

يغرقنا الكاتب في تأثيرات العالم الخارجي على العوالم الدّاخلية لشخصيّات روايته الرّئيسية، الّتي تتشارك في قضيّة واحدة هي البحث عن الذّات والسّعي خلف الطّموح، لتتشابه مآلاتها جميعها في السّقوط.
فمن وحيد المغنّي والموسيقي، إلى سارة الطّقاقة، فعبدالله لاعب الكرة المعزول وسعد الشّاعر، حتّى عيسى المروس الّذي يقلب مسار الرّواية رأسًا على عقب. مرورًا بابن أمّ سليّم المعاق، والّذي يموت بعد أن يلقي بكل غموضه في جوف آلة العود الخاصّة بوحيد.
جميعهم شخصيّات يحرّكها بحثها عن ذات طامحة إلى التّميّز والخلود.

تطرح الرّواية على هامشها غير المستور أزمة الهويّة، والتّغيّر الدّيموغرافي للمجتمع السّعودي.
لكنّها تقوم على موضوع رئيس، تميّزت به عن باقي الأعمال الرّوائية العربيّة، وأظنّها الرّواية الأولى الّتي تطرح إشكالية الغناء والعزف في الخليج العربي منذ نشأته إلى زمن تحريمه، وآثار احتكاره على الفنانين الأوائل في السّعودية.
لتوجّه العيون في قراءة ضوئيّة إلى فترة إمساك ما عرف بهيئة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بعنق الفن والجمال، وخنقه بكلّ ما أوتيت من تفويض استمدّته من تأويلات التّحليل والتّحريم في النّص الدّيني، وتشدّد بعض العاملين في تلك الهيئة حدّ الجهل.

لقد تعامل السّماري مع بناء الشّخصيّات تعاملًا جوانيًّا أكثر منه شكليّا، تاركًا للقارىء حريّة رسم ملامحها من خلال تنامي عوالمها الدّاخلية.
كما تنامت أحداث الرّواية بشكل متواز مع تنامي مكوّنات المكان العمرانيّة.
ليكشف لنا الكاتب عن جيل اتّسم بكثير من الرّومانسية الفكريّة، ما تسبّب له بعجز عن التّكيف مع كلّ متغيّرات المادّة والتّقنية الّتي راحت تأتي فعلها في البلاد.

بدا لي كقارىء في هذا العمل تأثّر الكاتب السّماري بتقنيات الرّوائي الكويتي طالب الرّفاعي في روايته خطف الحبيب. من حيث تراكيب الجمل، واستخدام تقنية رواية الحدث نفسه بلسان أكثر من راوٍ، ومن عدّة زاويا.

رواية قنطرة لأحمد السّماري، الصادرة عن دار أثر وتنوين للنشر والتوزيع، عمل يقدّم للقارىء العربي صورة وافية عن فترة سمعنا بها، دون أن نعيشها عن قرب إلّا في طيّات هذا العمل.
عمر سعيد / روائي لبناني.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

يا لبنان .. / بقلم عمر سعيد

يا لبنان. يكفيني منك سربُ طيور يزيّن سماءَنا الموشّح بالغيوم. يبعث فينا إذا رفّت أجنحته ...