حزب الله سيرد لفظياً.. 

منير الربيع – المدن

تبدّلت أطوار حزب الله واهتماماته، حسب تغير الأوضاع الإقليمية والدولية. ودور الحزب الأساسي والكبير في المنظومة الإيرانية، جعل لبنان يتأثر بالحوادث السياسية والأمنية وتداعياتها في المنطقة أكثر من أي وقت مضى.

بين السلاح والسياسة
ففي كل محطّة وطور كان دور حزب الله في لبنان يتبدل ويتطور ويتخذ أشكالاً مختلفة: من العمل السري، إلى العمل العسكري الذي يخلط بين السرية والعلنية،  ثم إلى دخوله البرلمان اللبناني عام 1992، والحكومة وصلب النظام اللبناني بعد اغتيال الحريري. حتى استقر أخيراً في الدور الذي كان يقوم به النظام السوري الأسدي في لبنان، لكن لصالح الوصاية الإيرانية الكاملة على السياسة اللبنانية.

وإذا أردنا أن نفصل قليلاً نجد أن حزب الله كان في صف المعارضة بين العام 2005 والعام 2009. ومعارضته تلك وتّرت الأوضاع في لبنان، وشهدت خوض حزب مقاومة إسرائيل حروباً داخلية وخارجية، وصولاً إلى تكريس سلطته. ولطالما عمل هذا الحزب المسلح على الاستثمار في التوتير الأمني والسياسي، وتوظيف معاركه سياسياً، أو في تحقيق أهداف سياسية. وهكذا حقق غايته الإيرانية: السيطرة الكاملة على لبنان، سياسياً وأمنياً، وعلى سياسته الخارجية في تسوية العام 2016، والمستمرة حتى اليوم.

أثناء حقبة معارضته، بعد الانقسام العمودي في لبنان، كانت مصلحة حزب السلاح ترتكز على منع الاستقرار. اليوم تبدلت أولوياته: صار الاستقرار هماً استراتيجياً، للحفاظ على مكتسباته.

السلطوية الشرسة
لذا كان حزب الله أكثر القلقين جراء تطور الأوضاع في العراق، بعد اندلاع الاحتجاجات الشيعية فيه. مركز القلق كان إيرانياً، وانسحب على حلفاء ايران. وانتقل القلق أقوى وأشد إلى لبنان، فور اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأول.

فعمل الحزب بقوته كلها، على خنقها في المهد، لكنه عجز عن ذلك. ثم انتقل إلى منعها من تحقيق أي من أهدافها، كي لا تتغير أو تتعدّل التركيبة السلطوية الحاكمة التي يمسك بمقاليدها. ولذلك رمى الحزب ما يجري في لبنان والعراق في سلة المؤامرة الأميركية على إيران. وهذه ما سيركز عليه الحزب بعد اغتيال قاسم سليماني، للانقضاض على الاحتجاجات في لبنان والعراق، والعودة إلى القواعد السابقة.

من الحرب إلى السيطرة
تدرك إيران مع حلفائها قواعد الاستثمار في أي ضربة يتعرضون لها. ليست المعركة غايتهم الآن، بقدر تشددهم في الحفاظ على المكتسبات السياسية. فإيران خاضت معاركها بأداتها اللبنانية الشيعية، بغية تحقيق السيطرة السياسية عليه، بعد الأمنية.

وهنا تجدر الملاحظة أن ردود إيران على الضربات التي تلقتها في المدة الأخيرة، كانت ميادينها خليجية، وليس في بلدان سيطرتها السياسية . لذا يمكن اعتبار قاسم سليماني  ابن مرحلة إيرانية انتهت على وجه الإجمال. أي ابن مرحلة المعارك والحروب وتحقيق التوسع. أما الحقبة الآن فللاحتفاظ بالنفوذ السياسي لذاك التوسع. وهذا يعني أن المفاوضات هي المبدأ الأساسي، على الرغم من التصعيد والتهديد،  لأن الحروب لا يمكن أن تكون مستمرة.

الانكفاء والتراجع
التطور الإقليمي الحاصل، لم تعد مساراته كما كانت من قبل بالنسبة إلى إيران. هناك اليوم اقتناع بتراجع الدور الإيراني التقريري، بعدما لم تعد إيران صاحبة قرار منفرد في معادلات المنطقة. ففي سوريا تراجع الدور الإيراني من المرتبة الأولى إلى الثالثة، بفعل الدور الروسي وتنسيق الروس مع الأميركيين. وخصوصية الوضع السوري وتعقيداته جعلت إيران مطوقة في عملياتها السياسية والعسكرية. وفي العراق تجدد واشنطن نشاطها ضد الإيرانيين، لمنع طهران من السطوة الكاملة.

لذلك تدرس إيران أفق الردّ على اغتيال سليماني، لتقدّمه في صيغة أنها لن تسمح لواشنطن باستدراجها إلى الردّ الذي قد يدفع أميركا إلى تبرير شن حرب على إيران. هذه الذريعة تستند عليها طهران لتتجنّب الدخول في مواجهة. وهذه ليست المرّة الأولى التي تعضّ ايران على جراح الضربات، تماما كما فعل حزب الله الذي لم يرد على اغتيال عماد مغنية حتّى الآن، ويترك الردّ مرتبطاً بحسابات التطورات الإقليمية.

المواجهة خطابية فقط
في لبنان يدرك حزب الله أنه يسيطر سيطرة كاملة، بعدما نفذ إلى داخل الدولة وإداراتها ومركز سلطتها. وهذه هي فرصة لم تتحصل لأحد في تاريخ لبنان. لذا لن يغامر حزب الله بها، ما دامت تكتسب الأهمية الأولى لديه. ولذا يدرك الحزب الإيراني أن المواجهة، ببعدها الاستراتيجي، وبالذهاب إلى صراعات كبرى، لم تعد ممكنة كالسابق عندما كان في المعارضة، إلا خطابياً وكلامياً. الأساس عنده هو الحفاظ على مكتسباته السلطوية. وهذا يظهر في عملية تشكيل الحكومة حالياً، والحفاظ على الاستقرار، ومنع تدهور الأوضاع. بعدما لعب الدور الأساسي والرئيس في مواجهة الانتفاضة اللبنانية، وظهر المدافع الأول عن المنظومة اللبنانية. أما العودة إلى اللعبة السابقة أو التماهي مع الصفائح المتحركة في العراق وغيرها، فستكون عاملاً تهديدياً لمكتسباته.

لن يغامر حزب الله بأي عمل أمني تفرض عليه فتح مواجهة مع الأميركيين والإسرائيليين. لا بل على العكس، هو يريد أن يقدّم نموذجاً مغايراً يحافظ على التركيبة اللبنانية، ويقدم رسائل إيجابية للمجتمع الدولي.

طبعاً سيكون حزب الله على رأس التفاعل اللفظي والمعنوي مع ما تعرض له سليماني. لكنه لا يريد التورط في أي عمل عسكري. وهنا لا يمكن تحييد الخصوصية اللبنانية، لأن الدخول في أي مواجهة خارجية تحرجه مع حلفائه المسيحيين، ويظهر أنه يخوض معارك لا علاقة للبنانيين بها، وهي لن تحصل على احتضان لبناني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“أكشن إيد” تنظّم جلسات توعية على خطر الكوليرا

نظّمت “أكشن إيد” المنطقة العربية في إطار خطة الاستجابة للطوارئ والتي تُشكّل جزء من مشاريعها ...