رأي حر

الرّجل الّذي قتل بندقيّته. بقلم عمر سعيد

قيل: “إنّ السّلاح لا يقتله إلا صاحبه”

والمقصود هنا سلاح القضيّة، وليس سلاح الظّلم والاعتداء.
سمعنا قصصًا كثيرة عن خيل ما تركت صاحبها.
ولكم أدهشنا وفاء هاتشيكو. ذلك الكلب، الّذي ظلّ لعشر سنوات ينتظر صاحبه عند مدخل محطّة قطار شيبويا في اليابان، حتّى مات، وأقيم له تمثالٌ هناك، تخليدًا لوفائه.

غير أنّنا ما سمعنا أبدًا عن سلاح ظلّ وفيًّا لصاحبه، حتّى قتله صاحبه.

يقال: “إن السّلاح الوفيّ فقط هو الّذي يقتله صاحبه”.

أمس تبادل الرّفيق بيار صقر الوفاء مع بندقيّته، فقتل نفسه بها، وقتلها بذلك.
فالسّلاح الّذي يقتل صاحبه، يعافه الآخرون، وينفرون منه، إلى درجة أنّه يصبح سلاحًا مؤرّقًا..

روى لي أحد تجّار السّلاح الصّغار، قائلًا: اشتريت مسدّسًا، وبعته لأوّل من أعجب به، بعد أن ربّحني به مبلغًا معقولاً.
لكنّه عاد إليّ بعد أيّام كارهًا المسدّس، ورضي، بأن يخسر من ثمنه، وظلّ يرجوني حتّى أستعدته منه.
ثمّ بعته إلى ثان، وتكرّر الأمر، ثمّ ثالث، فرابع، حتّى قرّرت العودة إلى من باعني المسدّس.
طلبت منه وبكل وضوح أن يخبرني قصّة هذا المسدّس، وإلّا سأضطر اللّجوء إلى الأجهزة الأمنيّة.
فروى لي حكاية حصوله على ذلك المسدّس، الّذي منحه أحد قادة الأحزاب لابنه، وقد حمله عشرة أعوام، حتّى وجده غارقًا بدمه ذات يوم، وإلى جانبه المسدّس.
ثمّ أخبره  كيف تدبّر أمر استبدال المسدّس بأخر لا قيمة له، ليحتفظ به وفاء لابنه، ولقضيته.
غير أنّه؛ وما إن أقدم على ذلك، حتّى صار يشعر بعدم ارتياح، وتنتابه كوابيس ليلية، إلى أن قرّر التّخلّص منه. ثمّ روى لي تاجر السّلاح أنّه عاد إلى كلّ من باعهم المسدّس، فأخبروه أنّهم بمجرّد دخوله إلى بيوتهم ما استطاعوا النّوم، وقد تكالب عليهم الضّيق، إلى أن تخلّصوا منه.

قال: وصار ذلك المسدّس شغلي الشّاغل، فلا أنا عرفت كيف أبيعه بشكل نهائي، ولا أنا عدت أحتمل وجوده في البيت؛ إلى أن عزمت على التّخلص منه بدفنه.
ثمّ حكى لي كيف حفر له حفرة، وضعه فيها، وقد خيّل إليه أنّ المسدس قد بدا مطمئنًا في تلك الحفرة. ومنذ أن تخلّص منه، استعاد سلامه، وراحة باله.

ثمّ قال لي:

“يا صاحبي إنّ سلاح القضيّة كالمرأة الهندوسيّة، تحرق نفسها مع جثّة زوجها، لتحافظ على شرفها”.
#عمر_سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى