النّص اليتيم / بقلم عمر سعيد

في الواقع ليس هناك نصّ يتيم،  فلكلّ نصّ كاتبه، وإن كان مجهولًا.

بعض النّصوص لا تنتسب إلى كتابها، ولا إلى أيّ من قرائها.
فالنّصّ هو ابن التّجارب فقط، وليس ابن الفراغ، والفراغ كاللّا شيء.
واللّا شيء يأتي من لا شيء، كما صرّحت كورديليا، ابنة الملك لير الصّغرى، في مسرحية “الملك لير” لشكسبير.
والنّص الّذي ينتج عنه لا شىء، لمصلحة كاتبه، ولا شيء لمصلحة قارئه؛ نصّ يتيم.

وإن كانت الأبوّة يسقطها عقوق الابن، فإنّ يتم النّص تنتجه هجينية النّصّ الفاضحة.
قرأت ذات يوم نصًّا؛ كُتِبَ بنطق ومعنى عربيّ، إنّما بحرف لاتيني، كلغة التّشات في وسائل التّواصل، تلك الّتي يسمونها “أرابيزي”

حرت حينها في نسب هذا النّصّ.
فلا هو نصّ عربيّ، ولا هو بنصٍّ إنكليزي.
فالنّصّ ابن اللّغة، واللّغة أكبر أبناء التّجارب الإنسانيّة قاطبة.
استوقفتني تلك التّجربة طويلًا.
جعلتني أفكّر بزواج المثلييّن، وأسأل نفسي أسئلة عميقة قاتلة.
ماذا لو حدث حمل؟!
لمن ستمنح أبوّة المولود، ولمن تمنح أمومته.
وأنا هنا، لا أتحدّث عن الجندريّة، بل عن التّجارب والخبرات الّتي راكمها الزّمن والطّبيعية.
فالأبوّة ليست عضوًا ذكوريًا، ولا الأمومة مجرّد رحم.
إنّهما أعمق وأبعد من ذلك بكثير، وجدًا.
فإلى كم قرن سيحتاج نصّ كُتب بأبجديّة، تختلف عن اللّغة الّتي كتب بها، ليتمكن من أخذ مكانته في القارىء؟!
وإلى كم قرن ستحتاج اللّغتان مجتمعتان لتتمكّنا من الرّسو في الوجدان، والغوص في المشاعر، والتّحليق في الخيال؟!

أخيرًا إنّ الأبوّة ليست فعلًا بيولوجيًا، وكذلك هي في النّص.

وتحتاج أبوّة النّص إلى أشياء لا يملكها أيّ كاتب.
إنّها أبوّة الموهبة، والخصوصيّة، والأسلوب، واللّغة، والقاموس الخاصّ بالكاتب، والذّاكرة غير المتساهلة، والخيال القصيّ، والمشاعر المتيقّظة، والعين اللّاقطة وغيرها…
كلّ هذه العناصر تشكّل الخارطة الإبداعية الخاصّة بالمبدع والنّص، الّتي بدونها لا يمكن للنّص أن يكون، ولا للكاتب أن يستمرّ، ولا للقارىء أن يكوّن في وعيه هويّة الكاتب وتوابعها.
عمر سعيد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في صغبين / بقلم عمر سعيد

  قالها شربل: “درب السّما طلوع” كانت أمس فعلًا كذلك. فتحت شبّاك سيّارتي، وسألت، فأخبرني ...