زيارة إلى سوبر ماركت/ عمر سعيد

انتخب بوريس يلتسن نائبًا في البرلمان السوفيتي عام ١٩٨٩، وعلى أثر ذلك زار أمريكا، وكانت أول زيارة لقائد سوفيتي إليها.
أراد الأمريكيون أن يبهروه بتقدمهم التكنولوجي، فأخذوه إلى واشنطن، وفيلاديلفيا، وإنديانابولس، وشيكاغو، ومينيابولس، وجمعوه بسيناتورات، وأعضاء كونغرس، وقادة جيش، ورجال أعمال، ومفكرين و…
ولفت نظره مركز جونسن الفصائي في هيوستن.
لم يتفاجأ يلستن بحجم التقارب الكبير في امتلاك التكنولوجيا بين بلده وأمريكا.
في طريقه إلى المطار، مر موكبه بسوبر ماركت صغير اسمه راندالز، في كلير ليك في تكساس فطلب الدخول إليه.
حاول مرافقوه إقناعه بزيارة سوبر ماركت أكثر شهرة على قاعدة حسن الضيافة، فرفض.
كانت في سنة ١٩٨٩ متاجر الاتحاد السوفيتي مستودعات بضائع، بتخزين سيء، وصناديق متهالكة، وحزم ممزقة على رفوف شبه فارغة، وأطعمة سيئة التغليف، على المستهلك التأكد من عدم فسادها بنفسه قبل الشراء. الأمر الذي يحاصر الزبون، ويضيق عليه الخيارات.
أحس بوريس يلتسن في سوبر ماركت راندالز بأنه في مكان ساحر. سأل موظفة عن عدد الأصناف المتوفرة في المتجر، فاخبرته أنها ثلاثون ألف صنف(٣٠.٠٠٠)
فذهل يلتسن. وراح يحاول عد أصناف اللحوم، ثم سأل سيدة تتسوق عن دخل عائلتها الشهري، ومعدل ما تنفقه على الطعام شهريًا.
فأخبرته أن الدخل الشهري ٣٦٠٠ دولار، وتنفق قرابة ١٧٠ دولار اسبوعيًا على الطعام. بمعدل ٢٠ بالمئة من الراتب.
صعق يلتسن مما سمع. إذ كانت العائلة الروسية تنفق قرابة ٦٠ بالمئة من مدخولها الشهري على طعام محدود الأصناف، ورديء الجودة.
لاحقاً كتب يلتسن في مذكراته:
” عندما رأيت تلك الرفوف المترعة بمئات بل بآلاف العلب والصناديق الكرتونية والسلع بمختلف أنواعها، وبكل صراحة، شعرت للمرة الأولى بالإحباط حيال الشعب السوفياتي.
وكيف أفقر بلد غني كبلدنا إلى هذه الدرجة، مجرد التفكير في ذلك أمر فظيع.”
جلس يلتسن في مقعده داخل الطائرة التي تقله إلى بلده، يقبض على رأسه بكفيه.
روى مساعده ليف سوخانوف أن يلتسن قال: “أعتقد أننا ارتكبنا جريمة بحق شعبنا، إذ جعلنا مستوى معيشتهم أدنى بكثير من مستوى معيشة الأمريكيين، إلى حد لا يقبل المقارنة”
وقال سوخانوف: “في تلك اللحظة تداعت البقية الباقية من البلشفية فيه”
بعد تلك الزيارة انهار جدار برلين. وبعد عامين انهار الاتحاد السوفيتي.
العبرة: إن الفاق بين ما تفهمه وما تشعر به أحدهما حقيقي أكثر من الآخر.
#عمر_سعيد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عين زبدة / عمر سعيد

وهكذا أسرينا من الصّويري إلى عين زبدة، ومنها عرجنا إلى الفرح. كان الصّليب سلّم المؤمنين ...