بين السّرد والثّرثرة / الرّوائي عمر سعيد

الكتابة منطقة سريّة جدًّا، لا يتجوّل فيها إلّا من أتقن المشي ليلًا، وإن نائمًا.

أولئك الثّرثارون لا يمكنهم بتاتًا أن يبلغوا تلك المنطقة، فالثّرثرة تستنزف الخيال، وتفتك باللّغة.
ولا أظن أن نقيق الضّفادع، تسبّبت به تفاصيل المستنقعات، لأنّ تلك التّفاصيل هي سرديّات صرفة، وكلّي ثقة بأنّ نقيق الضّفادع لا يصدر عن خيال، وإن دلّ عليه.

كنت إذا استلذّيت طعام أمّي أسألها واللّقمة في فمي:
أخبريني عن سرّ الأمومة في الطّبخ.
فتشير إليّ بضرورة عدم التّكلّم أثناء مضغي الطّعام، وتقول:
هل سألتك يومًا عن سرّك في الكتابة؟!
فأعي صدّها، لئلا أمسّ مناطقها السّريّة في ذلك.
لكنّي قلت مرّة:
إنّي أقرّ بالعرفان لكلّ فتاة حرمتني تقبيلها، وعناقها، وتمنّعت عن الذّهاب معي إلى الفراش، لأنّها علّمتني أهمّية الابقاء على ناري مشتعلة في شتاءات خيالي.
كانت تجيب ببساطة:
“لم أفهم ما تعنيه، ولكنّي أظنّك تستلّذ طعامي لأنّك محروم منه بسبب السّفر.”

فكلّما نأت المنطقة السّرية في الكاتب كلّما ساهم بعدها في نضج سرديّاته.
وأجمل الحكايا تلك التي لمحناها خطفًا في صغرنا قبل أن ندخل زمن القراءة والكتابة.

وتلك الثّلاثين سم بين عيني الكاتب وأصابعه هي الّتي تحدّد مساحة الخيال.
فكلّما ضاقت دائرة الرّؤية، وعزلتنا عن التّشويش والبعثرة، كلّما تجلّت الرّؤية في تلك المنطقة وتفصّلت.
فالغابة في منطقة الكاتب السّرية هي الغابة الحقيقيّة، وليست تلك التي عبرها أو جلس فيها لساعة.
والوجوه التّي نستعيد ملامحها من خلف ملاءة التّذكر هي الوجوه الّتي تفعل فينا، وليست تلك الّتي حدّقنا فيها طويلًا. وكذلك الصّيف والشّتاء والرّيح واللّيل والمطر والطّير والشّجر والحبّ والجنس والموت.
فما من ممرّ يمنح الموجودات قيمتها وجمالها وطعمها ورائحتها ومذاقها كالكتابة.

لفتتني ولأكثر من مرّة أثناء التفافنا حول مائدة طعام في بيت أو مطعم تعليقات البعض بأن هذه الأكلة بحاجة إلى ملح وتلك إلى زيت، وغيرها إلى بهارات، ويبلغ الأمر أحيانًا بأحدهم الجرأة على إقامة مقارنات بين ما نتناوله، وما تذوقه في مطاعم أخرى عرفها ذلك الشّخص، فيجاريه الآخرون في التسويق لما خبروه. وحدي كنت أفهم أنّها مجرّد ثرثرات لا علاقة لها بالسّرد.

كنت قد دعيت لأكثر من مرّة في اسطنبول لتناول طعام في منزل صديقين أكرماني وبشدّة هما مديري الدّكتور أحمد ديب وزوجته الّتي كانت ترفض أن أناديها بمديري أيضًا الأستاذة بدور غضّة.
كانت تسألني بدور إن كنّا نطبخ في بيوتنا ما دعتنا إليه؟
كنت أجيب بأن أمّي لم تكن تتقن الطّبخ، لأنّها كانت ترعى الماشية.
كنت أفعل ذلك، لأبقي مناطقي السّردية في أمان، وإن كنت أمضي الجلسة ألاحق أمّي خلف الدّار، تطبخ على موقد الحطب.

أخيرًا تحتاج الكتابة إلى كثير من العتيق، وكثير من الفشل، وكثير من الوجع والجوع والحرمان والانتظار، وإلى كثير من الموت. ولكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى قليل من التسرع لئلا نُفسِدَ ما نستخرجه من تلك المخابىء الّتي لا يتقن الإفشاء عن روائحها وأماكنها إلّا كاتب أقصى مناطقة السّرية إلى مطارح لن يصلها سواه.
عمر سعيد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عين زبدة / عمر سعيد

وهكذا أسرينا من الصّويري إلى عين زبدة، ومنها عرجنا إلى الفرح. كان الصّليب سلّم المؤمنين ...