حزب الله أفلس لبنان، والآن يسيطر عليه

بقلم حسين عبد الحسين – آسيا تايم –  ترجمة صوفي شماس

“الديمقراطية التوافقية”: إنها العبارة الرّنانة للسياسة الطائفية في لبنان والتي يجب أن يحصل المرشحون بموجبها على موافقة طائفية لشغل المناصب العليا. إنها على الأقل النظرية. أما في الممارسة العملية، لا يساور حزب الله أي قلق بشأن سحق التوافق حين يناسب ذلك جدول الأعمال الشيعي الموالي لإيران.

بمؤازرة الرئيس ميشال عون ومؤيديه المسيحيين الموارنة والرئيس الشيعي للبرلمان اللبناني نبيه بري، فرض حزب الله تعيين حسن دياب رئيس وزراء جديداً للبنان.

دياب من الطائفة السنيّة، لكن مؤهلاته لمنصب رئيس الحكومة لا تمتد إلى أبعد من ذلك بكثير. فباستثناء تعيينه وزيراً للتربية لثلاث سنوات، من العام 2011 إلى 2014، فإن خلفيته لا تحمل سوى طابعاً أكاديمياً، كأستاذ في الهندسة، وهو لا يتمتع حتى بدعم واسع من مجتمعه السني. لكن حزب الله استخدم أغلبية برلمانية ضئيلة (يحتل الحزب 69 مقعداً من أصل 120 مقعداً) لفرض تعيين دياب في 19 كانون الأول.

إن تصرّف تسلّطي كهذا هو أمر مألوف في سلوك حزب الله. فبين عامي 2005 و2018، حين كان الحزب يفتقر إلى الأغلبية البرلمانية، استخدم عدم وجود توافق مفترض ذريعة لشلّ الحكومة، فبقيت البلاد بلا رئيس لمدة عامين حتى تم انتخاب عون.

“الديمقراطية التوافقية”، بطبيعة الحال، هي جمع للفظتين متناقضتين. فالديمقراطية هي صنع القرار بالأغلبية، وهذا المصطلح لا يرد في الدستور اللبناني، لكن حزب الله وحلفائه يناظرون بأن الديمقراطية التوافقية شكّلت “الميثاق الوطني” منذ الاستقلال عام 1943.

لقد أدت الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في لبنان إلى بعثرة السلطة الحاكمة. فرئيس الوزراء السنّي، سعد الحريري استجاب للمطالب الشعبية واستقال وغادر لبنان مؤخراً، بعد أن قاوم منذ استقالته ضغوطًا كبيرة من عون وحزب الله للعودة عن الاستقالة، وأصرّ على أنه لن يفعل ذلك إلا إذا استطاع تشكيل حكومة جديدة من الأخصائيين غير الحزبيين، كما طالب المحتجون.

كان هذا مطلباً بعيد المنال، فحاول حزب الله أولاً استبدال الحريري بمرشحين يمكن الاعتماد عليهم ليخضعوا لإملاءاته، لكن المتظاهرين رفضوا بشدة مرشحي حزب الله. برّر حزب الله فرض دياب على البلاد بالقول إن الديمقراطية تعني الحكم بالأغلبية – فقد تم نسيان جزء التوافق بطريقة تلائمه.

الأمر الأكثر إثارة للقلق من تلاعب حزب الله بالنظام هو عدم قدرته على فهم خطورة مشاكل لبنان. ففي أذهان قادة حزب الله، تُعتبر السياسة والاقتصاد مسألتين منفصلتين، والأهم من ذلك هو ضمان إدارة البلاد من قبل المسؤولين المتوافقين، سواء كانوا من الشيعة أو السنّة أو المسيحيين. وفي الوقت نفسه، يمكن ترك الاقتصاد ليصلح نفسه بنفسه.

في خطاب ألقاه مؤخراً، طرح أمين عام حزب الله – حسن نصر الله – حلاً للمشاكل الاقتصادية في لبنان وهو بيع محصول البطاطا إلى العراق. فيما أصرّ نائبه فب البرلمان، حسن فضل الله، في مؤتمر صحفي عُقد مؤخراً على أن مشاكل الأمة سببها مؤامرة لجعل الناس يخرجون رؤوس أموالهم من البلاد.

يبدو أن خطة حزب الله لاستعادة ثروات لبنان تتمثل في محاولة إجبار المصرفيين والمسؤولين الفاسدين على إعادة أموالهم إلى بيروت. فهو يتجاهل تمامًا حقيقة أنه في حين اختلست المجموعة الأخيرة الأموال العامة، وبالتالي ارتكبت جريمة، فإن المجموعة الأولى قد استفادت فقط على مدى عقد من أسعار الفائدة المرتفعة للبنك المركزي، وهو أمر غير قانوني. لا يمكن أن يكون هناك توضيح أوضح لمدى تفهّم حزب الله للحكم.

فقدت الليرة اللبنانية ثلث قيمتها منذ شهر أيلول الماضي، لكن حتى مع منحه الثقة من البرلمان، من غير المرجّح أن يتمكن دياب وحكومته من كبح انهيار الاقتصاد. فراعية حزب الله، إيران ، تعاني من مشاكلها الكبيرة الخاصة، إذ أن ضريبة الوقود رفعت الأسعار بنسبة ثلاثين في المئة، وتخطى التضخم في إيران درجة الأربعين في المئة.

كما أن الوضع الاقتصادي في لبنان سيء لدرجة أن المؤسسات المالية توقفت عن تحديث أرقامها في آذار الماضي، وتوقف البنك المركزي اللبناني عن نشر مستويات احتياطي النقد الأجنبي في العام 2016.

وفي تلك السنة أيضاً، أجبر حزب الله البرلمان على انتخاب ميشال عون رئيساً، وفرض اليوم حسن دياب رئيساً لحكومة البلاد. إن مصير لبنان الآن في أيدي حزب الله إذ تم إسقاط كل ذريعة للـ”الديمقراطية التوافقية”. فالحزب الذي أفلس لبنان بات الآن يسطر عليه.

بالنسبة إلى حزب الله والذين يروّجون له، فإن علل لبنان ليست نتيجة لعدم كفاءة الحكومة، بل هي مؤامرة عالمية حاكتها الولايات المتحدة والصهاينة بمساعدة أعداء حزب الله داخل لبنان. ومثل رعاتهم في إيران، يعيش حزب الله وحلفاؤه ومؤيدوه في واقعهم البديل.

في البلدان العادية، عادة ما تؤدي الاقتصادات المنهارة إلى تغيير جذري في القيادة. أما في إيران وفي قمريها الصناعيين – العراق ولبنان – فالجواب ببساطة هو تكرار الاستراتيجيات الفاشلة مراراً وتكراراً. لا عجب أن اقتصاد إيران ولبنان في حالة سقوط حر، مع عدم وجود نهاية في الأفق.

  1. مع انهيار كل شيء، يبدو أن إعادة توزيع المناصب السياسية والحكومية في بيروت لا علاقة لها بالموضوع. ففي حين أن الأزمات تتطلب أشخاصاً استثنائيين، لا يتناسب رئيس الوزراء المعيّن دياب، أستاذ الهندسة ووزير التربية الأسبق، مع هذه المهمة.

وبما أن حزب الله يعمل على ضمان ولايته، يبدو للشعب اللبناني أن النور في نهاية النفق بعيداً أكثر من أي وقت مضى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“أكشن إيد” تنظّم جلسات توعية على خطر الكوليرا

نظّمت “أكشن إيد” المنطقة العربية في إطار خطة الاستجابة للطوارئ والتي تُشكّل جزء من مشاريعها ...