المصارف: “الدولة يلي بيتا من قزاز ما بتراشق بحجارة”

دعوة الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله المصارف لخفض الفائدة على قيمة الدين العام، وضعتها أوساط مالية واقتصادية في إطار هجمة متزامنة من المكوّن الشيعي على القطاع المالي والمصرفي، وربطت التزامن بين هذه الدعوة والكلام الذي تسرّب عن رغبة وزارة المال بإخضاع مالية مصرف لبنانللوزارة، ليصبح القرار النقدي برمته بيد هذا المكوّن، لا سيّما وأنّ المعركة في المرحلة المقبلة لن تتخذ طابعًا عسكريًا بل اقتصاديًا، من خلال تضييق خناق العقوبات الأميركية على إيران وحلفائها، وبالتالي رأت المصادر أنّ الأزمة المالية في لبنان هي مفتعلة وهي ليست نقدية ولكن نتائجها نقدية، من هنا رجّحت المصادر أن تستمر سياسة التهويل، وأحد مراميها الإلتفاف على العقوبات، وهذا يمثل أكبر دليل عل أنّ المصارف تطبّق العقوبات . وبمعزل عن الحسابات السياسية تقول المصادر إن هناك خطراً قانونياً جراء إخضاع السلطة النقديية للسلطة السياسية ما سيتسبب بهروب رؤوس الأموال بمعدل ما لا يقل عن 5 مليار دولار شهريًا. 

بصرف النظر عن السبب الذي جعل نصر الله يخرج عن عناوين خطاباته المعهودة، ليتحدث للمرة الأولى بهذه الطريقة العلنية عن سياسات مالية منوطة بالسلطة التنفيذية، إلتزمت جمعية المصارف الصمت ولم تبادر إلى الرد في الإطار العلني نفسه، وكذلك رئيس الحكومة، علمًا أنّ هناك العديد من القوى تطرح وجوب مساهمة المصارف بحلّ الأزمة. 

حاولنا الإتصال بجمعية المصارف لاستيضاح رأيها في الطرح فلم نلق جوابًا، في حين زار رئيسها جوزف طربيه قصر بعبدا معتبرًا أنّ الهجمة على المصارف بقصد استهداف البلد لا سيّما وأنّ المصارف تموّل الدولة، من دون أن يتطرق إلى طرح “حزب الله“. 

عضو لجنة الدراسات في جمعية المصارف كبير الإقتصاديين في بنك “بيبلوس” نسيب غبريل أكدّ في حديث لـ “لبنان 24″ أنّ هذا الطرح يُتدوال في الإعلام وعبر الشاشات، ولكن جمعية المصارف لم تتلق هذا الطرح بشكل رسمي من قبل أيّ جهة. وأضاف أنّ المصارف ليست على استعداد لإعادة تجربة “باريس2″، بحيث اكتتبت بـ 3 مليارات و600 مليون دولار بسندات خزينة بالليرة اللبنانية بفائدة صفر بالمئة لمدة سنتين، ومصرف لبنان قام بهندسات مالية، والمجتمع الدولي ساهم بحوالي 5 مليار دولار، في حين أنّ السلطات اللبنانية تعهدت بإصلاحات لم تطبق منها شيئًا.

وأضاف غبريل “ليست المرة الأولى التي يثير فيها “حزب الله” هذا الموضوع “والطرح ليس بجديد، فأحد نوابه ومنذ أشهر طرحه على قاعدة أنّ البنك الدولي يقرض لبنان بمعدل 1.5 % على مدى 30 عامًا، فلماذا لا تفعل المصارف الأمر عينه، علما أنّ لا مجال للمقارنة هنا، ولكن هذا المنطق موجود ولم يتوقف على خطاب الأمين العام، وليس “حزب الله” هو الحزب الوحيد الذي يطرحه، فمنذ حزيران الماضي بدأت حملات التهجم والإفتراء على المصارف وحملات التهويل والتخويف على الليرة والمالية العامة واستحضار سيناريوهات اليونان وتركيا”.

غبريل الذي أوضح أنّ الجواب ليس موجّهًا لحزب معين، “بل بصرف النظر عن الجهة التي تطرحه، نشير إلى أنّ المصارف ومنذ 25 عامًا تساهم بدعم الإستقرار النقدي والمالي على رغم الخلل في المالية العامة، وتساهم في الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي. كما أنّ مصرف لبنان والمصارف التجارية يحملون 89 % من الدين العام في لبنان، وبالتالي معدل الفائدة على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية 6.2 %، ومعدل الفائدة على اليوروبوند، سندات الخزينة بالعملات الأجنبية 6.8%، وبالتالي القطاع المصرفي يوفّر على الدولة كلفة خدمة الدين من ناحية الفوائد، التي هي أقل مقارنة بالتصنيف الإئتماني للبنان، وبعجز الموازنة ونسبة الدين العام وعدم وجود إرادة جدية لتطبيق الإصلاحات وتخفيض النفقات. فلو كان على الحكومة أن تصدر سندات خزينة بالأسواق العالمية من دون الإعتماد على القطاع المصرفي إسوة بالأسواق الناشئة الأخرى، لكانت اضطرت أن تدفع فوائد أعلى بكثير”.

يتسلّح غبريل بالأرقام التي تظهر وفق مقاربته الخلل في المالية العامة “بحيث أنّ تحويلات الخزينة إلى مؤسسة كهرباء لبنان ارتفعت 11.5 % بين العامين 2010 و2017 ، خدمة الدين ارتفعت بمقدار 26 % بين العامين 2010 و2017، في حين أنّ كتلة الرواتب والمخصصات في القطاع العام ارتفعت بمقدار 60 % بين 2010 و 2017 ومن ضمنهم بند كلفة معاشات التقاعد الذي ارتفع بحدود 84 % في هذه الفترة وقبل إقرار السلسلة. وهنا يظهر التحدي الأساسي حول وجهة الإنفاق، ولا نقول أنّ خدمة الدين العام لا يجب تخفيضها، ولكن المصارف تساهم قبل أن تطلب منها أي جهة وقبل حملات التهويل”.

ويفنّد غبريل النفقات في الجزء الأول من عام 2018 “كتلة الرواتب ومعاشات التقاعد والتقديمات في القطاع العام شكّلت 38 % من النفقات العامة، بينما شكّلت خدمة الدين العام 30 % منها، وتحويلات الخزينة للكهرباء على رغم ارتفاع سعر البترول في 2018 شكلت 11 % من النفقات العامة . القطاع العام وظّف 31 ألف شخص بين 2014 و 2018 وهذه الارقام تظهر العبء على الموازنة وأين يجب التركيز، فضلًا عن الوظائف الوهمية في القطاع العام وعشرات المؤسسات والهيئات والصناديق التي لا عمل لها”. 

التهرب الضريبي

أمّا من ناحية الواردات فيشير غبريل إلى ضخامة أرقام التهرب الضريبي “50 % من الشركات والأفراد الذين لا يصرّحون عن مدخولهم ولا يدفعون الضرائب المترتبة، في حين أنّ المصارف هي الجهة الوحيدة التي تدفع الضرائب المتوجبة عليها وعلى الموظفين لديها، وبالتالي تشكل الضرائب التي تدفعها المصارف 60 % من مداخيل الخزينة، و 35 % من الضريبة على الأموال المنقولة، و20 % من مجموع دخل الدولة من الضرائب على الرواتب والأجور، فضلًا عن كل ذلك تتحمل المصارف القانون المشؤوم الذي رفع الضرائب عام 2017، بحيث فرض ازدواجًا ضريبيًا فقط على القطاع المصرفي، بعدما تمكّنت المهن الحرة من الضغط كي لا يشملها، بالتالي نسبة الضريبة على كافة القطاعات 17 % وعلى دخل القطاع المصرفي 40 % وهذا غير دستوري”. 

غبريل لفت أيضًا إلى الجباية الضعيفة “على سبيل المثال لدى كهرباء لبنان فواتير مستحقّة بمجموع مليار ومئتي مليون دولار من المؤسسات العامة والدوائر الرسمية، فليذهبوا لتحصيل هذه الأموال قبل أن يفرضوا ضرائب أو طلبات من المصارف، فضلًا عن وجوب التهرب عبر الحدود وتطبيق القوانين، وبالتالي كفى تهويلًا على المصارف، وحان الوقت لتتحمل السلطة التشريعية جزءًا من المسؤولية من خلال تخفيض النفقات بشكل جدّي وليس كما نرى اليوم”.
واقترح غبريل أن تعمد الحكومة لتخفيض النفقات بحدود الملياري دولارفي 2019 وتحسّن الواردات بمليار دولار من دون فرض ضرائب، معتبرًا أنّه أمر ممكن من خلال تحسين الجباية ومكافحة التهرب الضريبي وضبط الحدود، فينخفض العجز بنسبة بحدود 6 % من الناتج المحلي، “وعندها تحدث صدمة إيجابية وتنخفض الفوائد على خدمة الدين العام من دون الحاجة إلى المصارف”.

غبريل دعا السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى تخفيض النفقات بشكل جدي “وبالأرقام التي ذكرناها، وعندها لن يكونوا بحاجة إلى المصارف، وإذا كان هناك حاجة بعد هذه التخيفضات، عندها تتشجع المصارف لتخفيض بقيمة ملياري دولار وهذا رأي الشخصي”. 

هذا الخفض إن حصل من جانب الحكومة، برأي غبريل، هو متواضع مقابل نفقات ضخمة ” تبلغ 16 مليار و500 مليون دولار خلال 11 شهرًا عام 2018 ، وهذه النفقات تساوي حسب صندوق النقد الدولي نفقات 38 % من الناتج المحلي، وهي أعلى من النفقات العامة في كل من دولة الإمارات العربية وهي أكبر منتجي ومصدري النفط، ومصر الدولة الأكبر من حيث عدد السكان، وقطر من أكبر دول العالم المنتجة والمصدرة للغاز”.

وفي أيّ حل يبدو أنّ التجاذب وشدّ الحبال لا سيما بالشقّ المتعلق بالقطاع المصرفي ورواتب الموظفين سيطبعان المرحلة المقبلة، على وقع احتجاجات وتحركات غير مسبوقة من قبل موظفين في الدولة ضدّ سياسة الدولة التقشفية. 

لبنان 24

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ساعدوا أنفسكم قبل طلب المساعدة

تظهر بين الفينة والأخرى مقالات في بعض وسائل الإعلام المعروفةِ المصدر تدعو لعودة الرئيس السّابق ...