وزيرةٌ للطاقة أم قبطانٌ للباخرة؟

عجزٌ متزايد، وسلفات متكررة، تُرهق خزينة الدولة ولا تحلّ الأزمة. هو حال مؤسسة كهرباء لبنان، التي نجح التيار الوطني الحر في ترويضها بالكامل، منذ استلامه وزارة الطاقة. والترويض لم يكن ممكناً إلاّ بخرق القوانين، وتقليص صلاحيات المؤسسة، وحصرها بيد وزيرة الطاقة التي طوّبَها وزير الخارجية جبران باسيل حين كان هو وزيراً للطاقة، وزيراً عونياً، أقصى طموحاته إجتراح معجزة لحل أزمة الكهرباء عبر بواخر الطاقة حصراً.

جمهورية البواخر 
افتتح باسيل عهد بواخر الطاقة عبر خطته الإنقاذية المولودة في العام 2010. تفرّع عن الخطة عينها خارطة طريق، جدّدت للبواخر وأنعمت على لبنان بباخرة “مجانية”، اختُلِفَ حول تسميتها، عائشة أم إسراء، وذلك في عهد الوزير السابق سيزار أبي خليل، الذي سلّم أمانة البواخر للوزيرة الحالية ندى بستاني، التي افتتحت العهد الثالث لجمهورية البواخر، عبر خطة جديدة تُدين بالولاء لخطة باسيل الأم.

لم تأتِ بستاني بجديد، فشعار خطّتها ليس إلاّ تكرار يُحاكي تكرار أحزاب السلطة لسيمفونية محاربة الفساد. فبستاني أكدت ان لخطتها “هدفين أساسيين، هما خفض العجز المالي للمؤسسة وتحسين التغذية”. ولضمان حسن التطبيق، تتعهد بستاني بتنفيذ الأهداف “من خلال مناقصة علنية وشفافة وإجراءات إدارية سريعة”.

الخطة الجديدة تنص على “استقدام/إنشاء معامل مؤقتة إبتداءً من العام 2020 ولفترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات وبقدرة 1450 ميغاوات، يتم تركيبها في أي موقع مناسب، لتصريف الإنتاج الإضافي بشكل سريع.. بالتوازي، سيتم إنشاء معامل دائمة في كل من سلعاتا، الزهراني والحريشة”. يمكن لهذا الاقتباس من الخطة أن يمر مرور الكرام، بالنسبة لمن لم يطّلع على تفاصيل خطة باسيل وتبعاتها، وصولاً إلى ما يُحضَّر اليوم من استمرارية لاستنزاف مؤسسة كهرباء لبنان. 

الفخ والمناقصات
لكن الخطة الجديدة تضمّنت فخّاً جرت استعارته من خطة باسيل، ويتمثل الفخ بعبارة “استقدام/إنشاء”، ففي الظاهر، توسّع الخطة الخيارات، لكن في التطبيق، تم التضييق على خيارات المعامل البريّة، لتستقر المناقصة على المعامل العائمة، أي البواخر. وضمن خيار البحر، ضيّق العونيون على الشركات التي تقدّمت للمناقصة، لصالح شركة كارادينيز التركية. 

أما خفض العجز المالي للمؤسسة وتحسين التغذية، فلم يبصرا النور. أيضاً، لم توضح بستاني ما إذا كانت المناقصة الجديدة والشفافة ستتم تحت إشراف إدارة المناقصات، أم أن وزارة الطاقة ستبتدع اجتهاداً قانونياً يحيّد إدارة المناقصات؟ كما ان بستاني غفلت عن ان الإجراءات الإدارية السريعة تُنفّذها إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، وهي إدارة لم تُملأ شواغرها بعد.

تحديث وتطوير الخطط أمرٌ ضروري، لكن حسن التنفيذ ينطلق من الرقابة وتحميل المسؤوليات. وبما أن بستاني وجدت أن واقع المؤسسة بعد نحو تسعة أعوام من الخطة الأولى، يحتاج الى “إصلاح وتغيير”، أفلا يستدعي ذلك البحث حول مكامن الخلل الذي أعاق تنفيذ أهداف الخطة الأولى؟ ومن يتحمل مسؤولية الخلل؟ إلاّ إن كان المُراد بالخطة الجديدة طي صفحة التقصير السابق، وإعادة كتابة تاريخ جديد بالمعطيات عينها. وهذا تأسيسٌ مبنيّ على باطل، لا يُرجى منه إلاّ تمرير التمديد للبواخر، لتتحول بذلك وزارة الطاقة إلى وزارة دفاع عن البواخر.

استغلالٌ للأزمة
على مدى نحو 25 عاماً، تراكم عجز مؤسسة كهرباء لبنان ليفيض عن 30 مليار دولار، من دون أن ترتفع ساعات التغذية، التي أخذت تتناقص في الكثير من المناطق، على وقع اهتراء شبكات النقل والتوزيع، ومصادرة صلاحيات مجلس إدارة مؤسسة الكهرباء، والتوظيف السياسي العشوائي.. وما إلى ذلك من مظاهر الفساد.

إصلاح هذه الأزمة ليس يسيراً ضمن فترة زمنية قصيرة، وبلا خطة عمل واضحة، أهمّ مرتكزاتها وقف استنزاف المؤسسة. بل آثَر المستفيدون من تعقيد أزمة الكهرباء، اقتراح حلول تزيد المعضلة وتُغرق المؤسسة أكثر. وفريق العونيين الذي يحكم قبضته على وزارة الطاقة، يبحث في زيادة إنتاج الكهرباء، في ظل وجود خلل تقني وإداري في المؤسسة، ما يعني حكماً زيادة الهدر وزيادة العجز. 

والغريب هو أن وزارة الطاقة تخالف القوانين، بدءاً من وضعها هي لخطة الإصلاح، وهو إجراء من إختصاص مجلس إدارة مؤسسة الكهرباء. كما أن الوزارة تستبق النقاش حول خطّتها بالتلويح بضرورة اتخاذ إجراءات سريعة، ما يعني انها تريد تمرير خطّتها بأي ثمن. والمعارضون سيتحملون نتيجة نقص التغذية الكهربائية. ولتسريع تطبيق الخطة، تتجه وزارة الطاقة إلى تعيين مجلس إدارة جديد للمؤسسة، تُلزِمه بتنفيذ الخطة، وهذا يعني مصادرة قرار المجلس الجديد، الذي لم يضع هو الخطة وفق دراسات علمية واضحة. وهو ما يضرب مبدأ استقلالية المؤسسة العامة، وتحديداً مؤسسة الكهرباء. ومبدأ الاستقلالية تذرّع به كلّ من باسيل وأبي خليل لتمرير المناقصات في المؤسسة، وليس في إدارة المناقصات. وفي المقابل، لا يعترفون بالاستقلالية حين يتعلق الأمر بوضع الخطط الإصلاحية.

مؤسسة مهزومة
حتى اللحظة، لا تزال مؤسسة كهرباء لبنان مؤسسة مهزومة بكل المعايير. يتحكّم بها فريق واحد، ويُصادر وزراء الطاقة المتعاقبون مجلس إدارتها وصلاحياته، ويخالفون فلسفة وجود المؤسسة العامة، ويتذرّعون بالشراكة مع القطاع الخاص لاستنهاض المؤسسة العامة. والتدقيق بهوية القطاع الخاص المقصود، يُظهر شراكةً واضحة بين أقطاب سياسية تستفيد من بواخر الطاقة وشركات مقدمي الخدمات.

خضر حسان – المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سمير جعجع… رجل المؤسسات

تاريخ سمير جعجع إرتبط بصورة “المنطقة الشرقية” حيث برهن جعجع أنه ليس قائداً لـ”القوات اللبنانية” ...