نصائح لمنظّري “الانتحار السياسي”!

رامي الريس – نداء الوطن

ليست المرّة الأولى التي تطرح فيها مشاريع مناقضة للصيغة التعددية اللبنانية من زاوية الانقضاض على طابعها الوحدوي والتفكير بما يكرّس الانقسام بين اللبنانيين و”يقونن” شرذمتهم ويجعلها بمثابة حالة مستدامة ومتجذرة.

لا خلاف، بطبيعة الحال، حول العثرات الكبيرة التي تعتري ما يُسمّى “الديموقراطيّة التوافقيّة اللبنانية” والأسباب لذلك متنوعة ولعل في طليعتها التشويه المنهجي للدستور اللبناني وأحكامه وخلق الأعراف السياسيّة المناقضة له التي تُبتدع تحقيقاً لمصالح فئوية خاصة. وقد يكون من المفيد الاشارة إلى أن المشكلة تكمن في تجاوز الدستور نفسه ومرد ذلك عدم تردد بعض الأطراف السياسيّة لضرب كل مرتكزات الثقافة الدستورية بحدودها الدنيا.

المشكلة ليست في غياب الدستور والقانون في لبنان، بل المشكلة في إحترامهما وتطبيقهما؛ مع العلم أن تعميم ثقافة إحترام الدستور والقانون هي حجر الأساس لبناء دولة المؤسسات التي لا نزال نفتقدها للأسف.

من الطروحات التي تسترعي الانتباه بين الحين والآخر هو طرح الفيدرالية وآخرها تضمّن نشر خرائط مفصلّة وتحديد الكانتونات الطائفيّة والمذهبيّة المرتجاة، فضلاً عن الحفاظ على بعض الكانتونات المختلطة!

ثمّة إشكاليّة حقيقيّة تتصل بالاصرار الدائم على الطرح الفيدرالي التقسيمي في لبنان، فعدا عن كون هذه الصيغة غير ملائمة لطبيعة التركيبة اللبنانية من حيث نظامها الطائفي والمذهبي؛ إنما أيضاً لأن الفيدراليّة تفترض قيام كانتونات مقسّمة داخلياً وموحدة خارجياً ودفاعيّاً. المثال الأبرز الولايات المتحدة الأميركيّة حيث تتمتّع الولايات باستقلاليتها الإداريّة والقضائيّة والماليّة ولكنها تفوّض صلاحياتها في السياسة الخارجيّة والدفاعيّة إلى الحكومة الفيدراليّة (أي واشنطن).

لذلك، هل من الممكن تذكير أصحاب هذه الطروحات التقسيميّة أن اللبنانيين منقسمون على السياسات الخارجيّة والدفاعيّة؟ وأن اللبنانيين لا يزالون يبحثون عن دور وطنهم في المنطقة وهويّة تحالفاته الخارجيّة؟ وأنهم لم ينجحوا حتى اللحظة في التوصل إلى تفاهم وطني جامع حول الخطة الدفاعيّة تجاه الاحتلال الاسرائيلي الذي ينتهك سيادة لبنان يومياً في البر والبحر والجو؟

إذا كانت هذه العناوين الكبرى محط خلاف بين اللبنانيين وهم يعيشون الإطار الوحدوي، فكيف ستكون الحال في ظل الصيغة الفيدراليّة؟ ثم كيف يتوقع أصحاب هذا الطرح تنظيم العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة والتجاريّة والمجتمعيّة بين هذه الكانتونات؟ وهل ستوضع معابر ونقاط أمنيّة للانتقال من كانتون إلى آخر؟ وهل ستتحالف بعض الكانتونات مع محور إقليمي مقابل تحالف كانتونات أخرى مع محاور إقليميّة مناهضة؟ وهل ستنشب الحرب بينها في حال تناقضت مصالح تلك المحاور في لحظات إحتدام إقليمي معيّن؟

لقد طُرحت أثناء الحرب الأهليّة اللبنانيّة العديد من الأفكار والمشاريع والطروحات التقسيميّة التي سقطت مع سقوط الآلاف من الشهداء من مختلف الاتجاهات، وإجتاز لبنان تلك التحديات الصعبة وبقي محافظاً على وحدة أراضيه رغم كل المشاكل والتوترات والنزاعات والحروب. من هنا، فإن التفريط بكل ذلك هو بمثابة ضرب لكل ما أنجز على المستوى الوطني خلال السنوات المنصرمة.ليس ثمة صيغة سياسيّة مقدّسة وغير قابلة للتعديل والنقاش. ولكن، إذا كان اللبنانيون يعجزون عن حل مشكلة الكهرباء منذ ثلاثين عاماً بهدر لامس 45 مليار دولار، هل سينجحون في إجتراح صيغة سياسيّة جديدة تعيد تنظيم علاقاتهم في ما بينهم وتكتب لهم عقدهم الاجتماعي الجديد؟

أخيراً، للراغبين في الانتحار سياسياً، رجاءً لا تجرّوا البلاد معكم!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عملية “٧ أيار” مصغّرة بدأت في شارع كنيسة لورد…

لم يعتقد أحد من اللبنانيين أن تؤول الأمور إلى هذا المنحى الدراماتيكي الذي شهدناه امس ...