تحت المجهر

من وحي العصا والخوف . (بقلم عمر سعيد)

ليست المعركة في لبنان بين المسلوب والسالب في السلطة الفاسدة فقط ، بل هي بين عقليتي الحياة والموت ، عقليتي الحرية والعبودية ، عقليتي الإنسانية والذكورية ..
هي معركة بين الوعي والجهل ، معركة بين السلام والعنف ..
وكلما ازداد الفساد استفحلت في مجتمعنا عقلية الموت ، والعبودية والذكورية والجهل والعنف.

تلك العقلية السوداء لا تحتمل أن تقف غير متفاعلة مع كل ما يحيط بها من تقدم .
تعاني من عجزها وضعفها وتقهقرها ، لذلك نراها تنزل إلى الشارع بكل شراستها لتضرب وتقتل وتحطم وتفتك وتسرق وتقصي علها تتخلص من عجزها ..

والسؤال العالق : لم تفعل هذه العقلية السوداء كل هذا ؟!
ليكون الجواب الذي يفرض علينا تحمل مزيد من الألم :
إنها عقلية الخوف .. فالشخصية الممسكة بالعصا خائفة ، تعاني خشية الزوال ، والاختفاء ..
فكيف لهذه العقلية أن تعيش في عالم يزدحم بلأحياء الهادئين الذين يملكون ما لا يحصى من مهارات الانخراط في عالم بلغ من التطور والتكنولوجيا والوعي ما بلغه ، وهي لا تتقن إلا العبودية والتبعية؟!

إن هذه العقلية الخائفة تعاني من مركبات الفراغ في ذاتها ، لفقدها كل اتزان يفرضه واقع السير إلى الأمام .
إنها عقلية تعيش صدمات الانهيار أمام ما يهددها بحتمية الإنقلاب الذي تحققه ثورة الوعي والعلم والمعرفة .

الجماعة من هذه العقلية وخلال مشاهدتها الحلقات الحوارية ، والانخراط المجتمعي في ورشات المعرفة والثورة تجد نفسها صامتة تعجز عن القول والمواكبة ، فتستيقظ على اضمحلال ، لذلك تلجأ إلى العنف والغضب ..
خاصة أن خلفها من يحقنها بمزيد من التخويف ومشاعر الترهيب وما يهددها بالزوال ..

وأعقد الظروف التي تعيشها هذه المجموعة هو غياب التمكين ، وحجبها عن إرادتها ، وبناء الحواجز بينها وبين جوهرها ..

في الصورة المشهورة ، ستكون للفتاة قيامتها كالمسيح ، و ستمضي إلى غدها وقد تحملت الضرب فخورة بتضحيتها وتحملها آلامها لأن هدفها العظيم بالحرية سيداوي كل ندب خلفتها عصا الذكر على جسدها ، وستروي للناس ولأطفالها وأصدقائها تجربتها هذه من زاوية إيجابية ، وفي عينها دمعة اشفاق على الفاعل ، وكلي ثقة أنها ستتمنى لقاءه في ظرف يمكنها من الصفح عنه والحديث إليه برحمة ومسامحة ..

فيما سيظل الجاني يعاني كل ما فيه من عجز ، وتظل وسيلته الوحيدة – للتخلص من ذكرى فعلته هذه كلما رأى هذه الصورة – الغضب والمزيد من العنف والتحطيم .

إذا إن المشكلة في آلايات التفكير العقلي ، عند طرفي الصورة ..

وسيأتي يوم ليس ببعيد ، يطل فيه هذا الشاب على الملأ معتذرا على الأقل من نفسه على ما جنته يداه .
وسيردم الخندق الذي صنعه محوره ، ليمكن الناس من العبور المتبادل نحو صبح إنساني .

عمر سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: