تحت المجهر

من بندقية رستم غزالي إلى قذيفة جبران باسيل

منير الربيع – المدن

بزهو تسلّم وزير الخارجية جبران باسيل هدّيته. قذيفة موقّعة من حزب الله، كانت قد استخدمت في معارك جرود عرسال. زهو باسيل يلاقي كلام الرئيس ميشال عون في روسيا، حول حماية الأقليات. في الصورة رمزيات ومعان كثيرة: رمزية تحالف الأقليات، رمزية “الوزير المقاوم”، ومعنى الرسالة الموجهة إلى المجتمع الدولي، معنى دخول باسيل مع حزب الله إلى منطقة جبيل، بما لها من رمزية تاريخية ودينية وسياسية بالنسبة إلى المسيحيين.

تشابه الصورتين
تشبه هذه الصورة تلك الصورة في لحظة تسليم أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، بندقية المقاومة لرستم غزالي. وتذكرنا أيضاً بواقعة أخرى قبل سنتين، حين وقف رئيس اتحاد بلديات كسروان جوان حبيش مقدماً مفتاح كسروان لنصر الله. الواضح، أن ما يريده باسيل هو رئاسة الجمهورية في استحقاقها المقبل. وما يريده حزب الله هو استمرار توفير الشرعية ليس للسلاح فقط بل لمشروعه ككل. وهو نجح في وضع وزير خارجية لبنان في خانته بلا أي لبس، بما يكشف تماماً وجهة السياسة الخارجية للبنان.

لا شك أن الصورة التي مثّلت نشوة لباسيل، تمثّل استفزازاً للسنّة على الأقل، عدا عن التساؤل حول المزاج المسيحي العام، وكيف ينظر إليها. قذيفة حزب الله المستخدمة في معارك جرود عرسال تحيلنا تلقائياً إلى مشهد تسليم البندقية لرستم غزالي، الحاكم بأمره في لبنان أيام “الوصاية”. لكن الفارق أن غزالي “تسلّم بندقية المقاومة” لحظة خروج الجيش السوري من لبنان، بينما باسيل تسلّم “قذيفة المقاومة” في عزّ سطوة الحزب السياسية. وكأن حزب الله يسلّم باسيل “الوصاية” نفسها. وهذا أصبح بات ثابتاً بالنظر إلى نفوذ باسيل ودوره كحاكم فعلي في أمور البلد.

الدور والقناع
يركز باسيل، في مشروعه السياسي، على فكرة التحالف مع قوة الأمر الواقع. هذه القوة المبنية على تحالف ثنائي مسيحي شيعي، بأرجحية شيعية التي لها القرار الفصل. تحالف مشروط بواجب الالتزام باستراتيجية حزب الله. لكن هل يخطر في بال أركانه احتمال انقلاب المعادلة وموازين القوى ولو على المدى البعيد؟ هل ينتبه هكذا حلف لاعتبارات الطوائف والجماعات الأخرى في الداخل؟ بل هل يفطن لأثر المحيط الإقليمي والعربي؟ والأهم، هل يلحظ الإرادة الدولية وإملاءاتها؟

الدور الذي يدّعيه باسيل اليوم، هو دور حزب الله في الحقيقة، وهو يستند إلى فعالية الحزب بوجه باسيلي، لأنه يلّبي مطالب الحزب وإيران بمواجهة عالم عربي ومجتمع دولي. وأي خلل في هذه المعادلة قد يطرأ، وهذا وارد جداً مع تشكّل جبهة ضد إيران وحزب الله في المنطقة، سيدفع ثمنه باهظاً حلفاء الحزب أولاً. بهذا المعنى، النفوذ والسيطرة والتغلغل في السلطة الذي يمارسه باسيل تحت شعار “استعادة الصلاحيات”، ليس وهماً وحسب، إنما هو وهم قاتل. ولا يعدو كونه قناعاً لوجه سيطرة حزب الله على لبنان. وهذه لعبة يمارسها باسيل بمجازفة بالغة الخطورة، طالما أن هناك مساراً مبتدئاً في اشتداد حصار إيران، يوحي أن لا المجتمع الدولي ولا العربي ولا شطر كبير من اللبنانيين يقبلون باستمرار غلبة حزب الله وهيمنته.

المحنة الإيرانية 
يسير باسيل بالمعادلة القائمة راهناً، ظاناً أنها ستكون راسخة وثابتة، بل ويضفي على علاقته مع حزب الله طابع القدسية، وكاسراً العلاقة مع المكونات اللبنانية الأخرى. وهذا السلوك الذي يبرره بموجبات الدفاع عن “حقوق المسيحيين”، قد يودي في أي لحظة تحول إقليمي، إلى التخوف لا على الحقوق المفترضة وحسب بل الخوف على “الوجود المسيحي” نفسه. أي تغير مفصلي، مقرون بالحنق والضغينة ومشاعر الثأر، قد يأتي بمنطق “العدّ”. فهل يتحمل هؤلاء استعادة منطق التعداد والعد، الأغلبية والأقلية؟ لا يبدو باسيل ولا أقرانه وأتباعه واعين لمدى خطورة ما يحدث، بل تغريهم مكاسب المعادلة القائمة حالياً، وللأسف هي تغري قوى أخرى كالقوات اللبنانية مثلاً. وهذه الحال الراهنة تربحهم بعض الفتات، لكنها ستخسرهم المستقبل كله، وستطيح بدورهم الأساسي في بناء لبنان، في الذكرى المئوية لإعلان لبنان الكبير، خصوصاً أن المسار الممتد منذ 14 عاماً وحتى اليوم لا يوحي بمناعة كينونة لبنان ولا بحصانة بقاء الدولة. ببساطة، هذا الحلف يضع نفسه في خدمة مشروع النظام الإيراني، الذي يتعرّض لأصعب الامتحانات، إن لم نقل أنه دخل فعلياً في محنة مصيرية، وما سيصيبه لن يكون “حلفه” اللبناني بمنأى عن تبعاته القاسية على لبنان ككل.

دورة الانتقام
وإذا ما كان هؤلاء يعتبرون أن تحالفهم مع الرئيس سعد الحريري، يوفر الغطاء السنّي الملائم لاستمرارهم بهذه المعادلة، والتي تضرب “السنية السياسية”، فهم في المقابل، يمعنون في إضعاف الحريري داخل بيئته، ما سينعكس حتماًعلى قوته التمثيلية مستقبلاً. أي أن الاتفاق مع الحريري، وفق موازين القوى القائمة اليوم، ليس تحالفاً مع السنة، بل تطويع لهم وابتزازهم، واستغلال حاجة الحريري وتياره إلى رئاسة الحكومة. وبهذا المعنى، هم لا يتعاملون مع السنّة إنما مع شخص، الأمر الذي يحتاج إلى مراقبة حثيثة لجمهور الحريري ومزاجه السياسي، والذي قد يؤدي مستقبلاً إلى الانقلاب على الحريري نفسه، لأن سياسات التطويع والابتزاز والاستضعاف ستعزز نمو المعارضين لخيارات الحريري وخطابه داخل البيئة السنية، حتى ولو كان هؤلاء المعارضون يتعاطفون معه إذ يرون تسلّطاً عليه. فالوعي السنّي العميق يركّز على أن ما يفعله باسيل لا يفعله وحيداً، بل ينفّذ ما يريده حزب الله.

في لحظة انتخابات 2005، افتتح التيار الوطني الحر لعبة استنفار الغرائز الطائفية، محطماً خطاب الوحدة الوطنية للحركة السيادية. لكن لعبة تحالف الطوائف سياسياً بهذا النمط قابلة للتغير باستمرار. وهذه لعبة مدمّرة، على ما شهدناه بكثرة في تاريخنا الحديث. فإذا ما اجتمع الشيعة والمسيحيون اليوم، فقد يجتمع السنة والشيعة لاحقاً، وسيكون المسيحيون هم ضحاياه. خصوصاً وأن منطق الانتقام هو الذي يقود الجميع كل مرة. إذ انتقم السنة رمزياً ما بعد الطائف من تهميش المسلمين. وانتقم الشيعة من حالة الحرمان التاريخي. بينما ينتقم المسيحيون الآن من مرحلة الطائف. منطق الانتقام هذا، سيقود السنّة مستقبلاً إلى انتقام مضاد، ما يعني أن الدوامة الطائفية ستبقى على حالها.  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق