مساومة وطنية !!

المقاومة حقٌّ مشروع، وهذا واردٌ في الدساتير وشرعة حقوق الإنسان. وحتى لوتركنا الدساتير والقوانين، فمن منظار إنساني لا يمكننا أن ننفي هذا الحقّ المشروع. فالمقاومة هي فعلٌ رافضٌ للظلم على ما اعتقد بتفسيري اللغوي. لكن هل يمكن أن تكون المقاومة من العوامل المُقسّمة للوطن؟ وهل تكون مُقاومة مشروعة ومُحقّة لو لم يكُن عليها إجماع من مكوّنات الوطن كافّةً؟ وأعني بمصطلح “مكوّنات” لتيقّني بأن هذه المكوّنات لم ترقَ إلى رتبة “أبناء الوطن الواحد”. فلو ارتقت هذه المكوّنات إلى رتبة أبناء الوطن لحافظت بحرصٍ على الوطن الواحد. ولشرعت على المستوى النظري -وهذا أضعف الإيمان- بتبادل المصطلحات غير الإتهاميّة والتشكيكيّة.
فلا يكون المواطن مُتّزنًا إذا ما أطلق إتّهامًا تخوينيًّا للآخر، فكيف الحال برجل سياسة لعب دور وزير وهو نائب في أكبر كتلة نيابية، أن “يرتكب” مؤتمرًا صحفيًا ويتوغّل بتبرير فساده وتلفيق أكاذيب لينكر التُهم الموجّهة إليه، حيثُ هناك مؤشّرات ملموسة تدلّ على صحّة هذه التهم، والدليل هو الشعار الذي أطلقه على الملأ في العام 2005 حين أبرم صفقة البواخر التركية: Lebanoff-Lebanon، وكانت محطّة التلفزة التابعة لحزبه تثابر على بثّ هذا الشعار كحملة تسويقية له. وفي العودة للحديث عن حقّ المقاومة، فمن الطبيعي أن يكون خطاب الزعيم (حليف الوزير المذكور أعلاه) محاكاة غَزَليّة لطمئنة الحليف “الظرفي” الذي تمّ التحالف معه بشكلِ مساومةٍ على ثبات هويّة مؤقّتة.

ويُذكّرني مُصطلحي “حليف ظرفي وهويّة مؤقّتة”، بالمقولة المصرية: شيّلني وشيّلك. فجهةٍ “تدافع” عن وجود واستمرارية سلاحٍ هو “حقّ” ولكنه غير شرعي (فهو خارج إطار الدولة الغائبة أصلاً) وجهة أخرى (تملك قوة السلاح) تضمن وصول “حاكم عسكري” تاريخه مُلطّخ بالدم، إلى سُدّة رئاسة الدولة المُجتزأة. نعم إن المهزلة هي استمرار عملية الكذب على الناس، لا بلّ الأفظع هو وثوق هذه الناس بزعماء لا يلتفتوا إلى معاناتهم، ولا جوعهم وفقرهم.
فالسلطة لا ترى الناس الجائعين سوى “مندسّين” دفعت لهم السفارات لتخريب البلد. فالسفارات هي لغة فاسدي السلطة حيث تاريخ ثرواتهم يُعلمنا بذلك. والأحزاب المعلّبة..عفوًا المُعارِضة، لا ترى الناس سوى أصواتًا في صناديق يستمدّون شرعيّة وجودهم منها. ولكي لا أقع في فخّ التخوين الذي أنتقده بشدّة، فبرأيي لقد تضمّن الخطاب “المُقدّس”، إتهامًا ليس تخوينيًّا، بل تقسيميًّا، فما هو مضمون بالنسبة لأيّ “خطيب”، بأن جمهوره واثق كلّ الثقة بما يقول، وهذا حقّهم، لكنّ ما يُزعجني، وهذا رأيي الشخصي، فأنا أرى مُعيبًا، أن نُطلق صفة جمهور على مؤيّدي الخطّ المُقاوم في الوقت عينه الذي يُدعى مشجّعي فِرَق كرة القدم “جمهور”. وليس هذا إنتقاصًا من قيمة الناس، لكنّ بالبطبع لكلّ مقامٍ مقال. فقد خرج هذا “الجمهور” من دائرة التشكيك بأقوال الزعيم كما يثق الجمهور برونالدو، ولست مُبالغًا حين أقول:لقد أُدخلت أقواله إلى صندوق الإيمان “الأعمى”.
وهذا ما أكسبه (أي الزعيم) صفة مرجعيّة سياسية مع مع العلم أنّه يطرح نفسه كمرجعيّة دينية. ففي جولة على وسائل التواصل الإجتماعي، نلحظ تشويه عاطفي للخطاب، دون درايتهم بهذا التشويه، فالمبالغة هي القناع المشوّه للحقيقة. وهذه المبالغة أيديولوجيّة تساهم في الحفاظ على إنقسام توارثناه وكبُرنا في كنفه. نعم فالإجماع عند الناس لا يكون إلاّ حول الإنجازات الملموسة. وقد عايشتُ بعض هذه الإنجازات: فقد كنت متطوّعًا في مخيم على شاطئ البحر في صيدا جهّزناه لإستقبال أهالي بيروت في العام 1989 حين قصفهم من قصر بعبدا الجنرال فلاديمير إيليتش إليانوف، وقد حرص تروتسكي على أن لا تستقيل الحكومة حينها كي لا تفقد السلطة التنفيذية شرعيّتها.. ثم دَفَنَا “الشيخ زنكي” سويًا وتابعا شعورهم بالحرص على الوطن خوفًا من حربٍ أهليّة بين أنصار الحزب وحلفائهم. وقد أكّد الحليف في مؤتمره الصحفي المذكور أعلاه على ثوابت ليبعث رسالة الطمأنينة للحزب الشريك: لسنا “ذمّيين”/ ولم نخطئ بتحالفنا مع الحزب الشريك ولا بتفاهم معراب.. نحن لسنا تقليديين ونحن ضدّ الإقطاع… والقضيّة قضيّة وجود، ولكن وجود من؟ المسيحيون في الشرق الأوسط كما كان يعلن سابقًا؟.. امّا أنا فمن جهتي لقد صَدّقتُ معلومة واحدة فقط: هي أنّ الخِطابان يُبشّران بالفوضى، وهما مُستعدّان لخوض حربٍ أهليّة.. في لبنان، وهي بالتأكيد ليست حربًا أهليّة لبنانيّة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من يصفق اليوم يقتل غداً. (بقلم عمر سعيد)

جغرافيا تركيا المحكومة إسلامياً اليوم جذورها علمانية، لأن القواعد التي ثبتها أتاتورك هي الثابت الوحيد ...