ماذا لو تحولنا إلى اقزام؟! (بقلم عمر سعيد)

في واحد من لقاءات الزوم القديمة لمجموعة من نادي الكتاب اللبناني، طرح الزميل بهاء سؤالاً عن دور طول النص وقصره في العمل الروائي.
بقي السؤال عالقاً في رأسي.
قبل أسابيع نشرت مقاربة عن النص القصير والنص الطويل.
وعلى أثره أتاني سؤال من الروائية عائشة بنور، إن كان الأمر ينطبق على النص في القصة القصيرة والرواية.
وها أنا اليوم أجدني أكتب في ذلك.

يتفق المتخصصون على أن طول النص الروائي العالمي يقدر ب 75 ألف كلمة، أي قرابة 350 صفحة من حجم A5.
ويتراوح طول معظم نصوص الروائيين العرب الجدد بين 110 صفحات إلى 140 صفحة. أي أقل من 20 ألف كلمة..

وبالتالي لو قسمنا الرواية العالمية إلى ثلاثة فصول، يكاد النص العربي لا يساوي فصلا منها.
ليحضر هنا سؤال عن الأسباب التي تدفع الكاتب العربي إلى تلك المبالغة في قصر النص؟!
وسؤال آخر هو : ماذا قد يترتب على ذلك من نتائج.

لعل الأسباب تعود إلى طبيعة الفرد العربي المتسرعة، وإلى تكلفة الطباعة، و ملل القارىء، والرقابة الدينية والمجتمعية والسياسية، وتقلبات الواقع العربي القاسية، وإلى ضيق المساحة التي تحاصر الفرد العربي داخلها بضغوطاتها الاقتصادية التي تنهكه، وما يحاصره من أشياء تفرض التجنبات أثناء الكتابة.
ولنؤجل النتائج إلى نهاية المقالة.

قد يتبادر إلى ذهن القارىء الآن تساؤل مفاده: ما علاقة ذلك بالمضمون؟! فالمهم أن يستوفي النص فكرته، وشروطه، وأهدافه، وأغراضه.. وكل هذه النقاط في لصالح الذي لا يتفق معي، وهي ضدي.

ولكن دعوني أقول: نعم. إن الإنسان القزم قد استوفى شروط خلقه كإنسان!
ولكن تخيلوا أن نتحول إلى مجتمع أقزام..
وتخيلوا ما سيتبع ذلك من تغيرات حولنا، وفي كافة تفاصيل الحياة وأدواتها.

وهنا أرجو ألا يقفز القارىء إلى تبرير الإبداع نوعاً، وليس كماً.
ذلك لأن من أكبر مصائبنا العربية مصيبة الفصل بين الكم والنوع، ذلك لانهما متلازمان، وما قيمة ذا إلا بهذا.
وليس الفصل بينهما إلا مؤشراً على معركة الإقصاء الحاصلة بين النخب والعوام في هذه المجتمعات ومنذ عقود.

في علم التدريب الوظيفي، يؤكد الخبراء على أهمية التزام الموظف بدوامه من 7:45 صباحاً، وحتى 4:00 عصراً، حتى في حال عدم وجود عمل.
لأن ذلك من أسس تعويده علل الالتزام، والانضباط والآداء.
غير أن الموظف العربي يأتي في الغالب إلى دوامه متؤخرا ربع ساعة في أقل تقدير، ويغادر قبل انتهاء الدوام بنصف ساعة في أقل تقدير أيضاً، ويقضي ما ببنهما؛ يتأفف، وينظر في ساعته، ثم يبدأ يالتنَظير في فلسفة الانتاج والوقت المستهلك، وانتفاء الحاجة إلى جهد، ووو..

كذلك كانت المدارس قديماً ترهق التلميذ بكمّ الواجبات المدرسية، وبطول الدوام، ولكن مع ضرورات التسويق، تنازل التعليم أمام عواطف الأسرة، لدرجة أننا بتنا نرى تلاميذ يلعبون لساعات، ويجلسون خلف نربيش الشيشة لساعات، دون كلل أو ملل، لكنهم يفقدون أعصابهم من شدة التأفف أمام واجب مدرسي يحتاج قرابة الربع ساعة لإنجازه.
فإلام يؤسس هذا الحال؟!
إنه يؤسس إلى ما سينتج عن كتابة نص روائي قصير.
وصلتني رواية من 70 صفحة..
قراتها بأقل من ساعة..
وسألت نفسي هل يجوز أن نسميها رواية؟!
وهل ألخصها بعشرة صفحات؟!
وهل أدعي اني قرات كتاباً؟!

إن الكتابة والقراءة إدمان، والإدمان يحتاج جرعات قوية.
فما هي طبيعة الجسد الذي قد يعتاد الإدمان “ع الريحة” كما يقال؟! والمقصود بتعاطي جرعات قليلة جدا!

فتخيل أن تنمسخ الأعمال الأدبية إلى سبعين صفحة، وتخيل نوعية القارىء الذي ستنتجه مثل هذه الأعمال!
وهل سيبلغ القارىء بعد سنوات، مرحلة الملل من قراءة رواية طويلة جدا تبلغ 70 صفحة، ليطالب بتقصير الرواية إلى 40 صفحة؟!
إن ما سينتج عن هذا الحال هو أبعد مما نتخيل من حيث الخطورة والاستهتار.
فالعلاقة ببن القارىء والنص هي علاقة بينه وبين الشخصيات في الأصل، وبينه وبين الأحداث، وبينه وبين المكان والزمان والجمل والكلمات، وعوالم الكاتب الجوانية، وكثير من الأشياء التي تحدث بصمت ملحوظ.

إن قصر النفس في الكتابة، ينتج عنه خلل في التعامل مع عناصر العمل الروائي كافة، وينتج عنه خلل في خدمة اللغة والخيال، والحاجات النفسية، وطرقةمعالجة المشكلات، والحلول، وخلل في العوالم التي نسعى لخلقها.
لذا علينا التنبه إلى أن الكاتب هو المحرك الأول للركود الحاصل جوات الفرد والمجتمع، وكلما كان تحريكه لهذا الجوات محدوداً، كلما انحسرت نتائجه على السطح، وكلما كان التحريك عميقاً، فعالاً ، واسعاً، كلما أدى ذلك فعله الأمتن في البناء المعرفي للمتلقي.

أخيراً قد نبلغ مرحلة ركوب قطار يقطع مسافة الألف كلم بدقيقة، ولكن فلنتذكر أن تلك الدقيقة قد لا تكفي لإلقاء التحية على من نلتقيهم فيه.
مع العلم أن استعدادنا للرحلة قد يسبق انطلاقها بثلاث ساعات.

وتخيل أن تقطع من بيروت إلى تونس ألف كلم متر بدقيقة واحدة، ثم تخيل إجاباتك عن السؤال الأخطر الذي سيحيرك:
“ما هو الشيء الأبرز الذي لفت انتباهك أثناء نظرك من النافذة خلال رحلتك؟! ”
هكذا سكون حال القارىء مع ما يدرج عليه الواقع من نصوص روائية قصيرة.
عمر سعيد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكي تنور .. لماذا فشلت؟! (بقلم عمر سعيد)

في طفولتي كان ديوان أبي يعج بالضيوف البسطاء، وهكذا كان كل المجتمع، فلم يكن بين ...