لماذا اكتفت أمريكا بإنتاج 187 طائرة من طراز “إف 22” رغم قدراتها الهائلة

تُفاخر القوات الجوية الأمريكية بطائراتها الشبحية F-22، التي تقول إنها تتفوق على كل الطائرات الشبحية الموجودة والمستقبلية، سواء الصينية أو الروسية وحتى الأمريكية F-3، فلماذا اكتفت أمريكا بإنتاج 187 نسخة من الطائرة F-22 فقط، رغم إمكاناتها الهائلة هذه.

على الرغم من الوقت الطويل لتطويرها والمسائل التشغيلية المختلفة، يعتبر المسؤولون الأمريكيون أن الطائرة F-22 المعروفة باسم رابتور عنصر حاسم في القوة الجوية التكتيكية للخدمة، بفضل مزيجها من التخفي والأداء الديناميكي الهوائي والقدرة على المناورة وأنظمة إلكترونيات الطيران التي تتيح قدرات قتالية جوية غير مسبوقة.

ولكن أظهرت مذكرات صدرت للتو كيف تم التخلي عن المقاتلة F-22 لصالح القاذفة الشبحية B-21 الجديدة، حسبما ورد في تقرير لمجلة The National Interest الأمريكية.

واجه برنامج الطائرة F-22 نهايته المأساوية في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث انخفض عدد الوحدات التي تقرَّر إنتاجها من التقدير الأولي البالغ 750 إلى 187.

ودخلت الطائرة الخدمة عام 2005، وتم تسليم آخر طائرة من طراز F-22 في عام 2012، وهي فترة قصيرة للإنتاج بالمعيار الأمريكي.

تتطلب كل الطائرة F-22 خطة صيانة مجمعة لمدة ثلاثة أسابيع لكل 300 ساعة طيران، تم تصميم الطلاءات الشبحية للطائرة F-22 لتكون أكثر قوة ومقاومة للعوامل الجوية من تلك المستخدمة في طائرات التخفي السابقة. ومع ذلك لا تزال الطلاءات المبكرة تواجه مشاكل مع هطول الأمطار والرطوبة عندما تم نشر F-22s في البداية في عام 2009. [161] يمثل نظام التخفي ما يقرب من ثلث الصيانة، حيث تحتاج عناية خاصة.

خلال السنوات الأولى من الخدمة، عانى طيارو F-22 من أعراض تشمل فقدان الوعي وفقدان الذاكرة والتقلّب العاطفي والتغيرات العصبية، بالإضافة إلى مشاكل الجهاز التنفسي المزمنة والسعال المزمن.

تم التحقيق في عدد من الأسباب المحتملة، بما في ذلك المواد الكيميائية الضارة في أنابيب الجهاز التنفسي، وعطل بدلة الضغط، وتعطل إمدادات الأكسجين. توقف الأسطول عن العمل لمدة أربعة أشهر في 2011 قبل استئناف الطيران.

في أغسطس/آب 2012، وجدت وزارة الدفاع الأمريكية أن الصمام المستخدم لنفخ سترة الطيار أثناء المناورات عالية الجاذبية كان معيباً، ما أدى إلى تقييد تنفس الطيار، كما أدى نظام توليد الأكسجين الموجود على متن الطائرة أيضاً إلى خفض مستويات الأكسجين بشكل غير متوقع أثناء المناورات عالية الجاذبية، وتمت معالجة أغلب هذه المشكلات.

ولكن ظلت الطائرة تُمثل قفزة تكنولوجية هائلة للقوات الجوية الأمريكية، إذ تم تصميم الطائرة F-22 ليكون من الصعب للغاية اكتشافها وتتبعها بواسطة الرادار، عبر استخدام موجات ماصة لأشعة الرادار، إضافة إلى تصميم الطائرة، بما في ذلك خوذة الطيار والأسلحة، بحيث تقلل عكس تردادات أجهزة الرادار، إضافة أيضاً لتقليل انبعاثات الراديو وبصمة الأشعة تحت الحمراء والتوقيع الصوتي، وحتى تقليل إمكانية الرؤية بالعين المجردة، وتبريد أجهزة الطائرة الباعثة للحرارة.

فالطائرة F-22 Raptor هي أول مقاتلة من الجيل الخامس، وتعتبر الجيل الرابع في تكنولوجيا الطائرات الشبح من قبل القوات الجوية الأمريكية.

وهي أول طائرة تشغيلية تجمع بين التجوال الخارق (الطيران أسرع من الصوت دون استخدام الحارق اللاحق)، والقدرة الفائقة على المناورة، والتخفي، ودمج أجهزة الاستشعار في منصة أسلحة واحدة.

الديناميكيات الهوائية لـF-22، والمحركات القوية الموجهة للدفع تمنحها قدرة ممتازة على المناورة، بما في ذلك مناورات صعبة.

فلماذا اكتفت القوات الأمريكية بشراء 187 وحدة من هذه الطائرة المذهلة، بينما لديها نحو 1200 طائرة من طراز إف 16 على سبيل المثال.

تسلط مذكرات حديثة الضوء على النقاشات المؤسسية التي أدت إلى قرار الحكومة الأمريكية تخفيض إنتاج الرابتور.

في مذكراته الأخيرة، قدم الجنرال المتقاعد نورتون شوارتز، رئيس أركان القوات الجوية السابق، رؤى جديدة حول الجدل البيروقراطي بين القوات الجوية الأمريكية ووزارة الدفاع حول مصير مشتريات F-22 الإضافية.

كتب شوارتز أن أسلافه -الجنرال المتقاعد مايك موسلي ووزير القوات الجوية آنذاك مايك وين- التزموا باستراتيجية الشراء والتطوير التي أعطت الأولوية للتفوق “الجوي الساحق”.

“أرادت القوات الجوية أكبر عدد ممكن من طائرات “إف 22″؛ بحلول بداية حرب العراق، اعتبر هذا الرقم 381 طائرة على الأقل.

ولكن في المقابل، أكد وزير الدفاع آنذاك روبرت غيتس أن تركيز القوات الجوية الأمريكية على مقاتلات F-22 لا يعكس حقائق الالتزامات العسكرية الأمريكية المعاصرة.

وغيتس تولي هذا المنصب بعد استقالة دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع خلال غزو أفغانستان والعراق)، حيث بقي في المنصب منذ ديسمبر/كانون الأول 2006 حتى 2011 حيث عينه جورج بوش (الابن) في المنصب بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس، وأبقاه أوباما لفترة.

وفقاً لمنطق غيتس، فإن دور طائرات F-22 كمنصة تفوُّق جوي متطورة قد ضاع في عالم ما بعد الحرب الباردة؛ حيث تجد الولايات المتحدة نفسها بشكل متزايد تشن صراعات غير متكافئة ضد أعداء ليس لديهم قدرات سلاح جوية ذات مغزى. وبشكل أكثر تحديداً، اعتقد جيتس أن مقاتلات F-22 ليس لها دور مهم تلعبه في نزاعات العراق وأفغانستان.

وأكد كذلك أن الصين لن تستخدم مقاتلاتها الشبحية من الجيل الخامس حتى عام 2020، وهو ما يجعل F-22 استثماراً سابقاً لأوانه.

كتب شوارتز أن قضية F-22 “ظلت مصدراً مستمراً للصراع بين قائد القوات الجوية في ذلك الوقت مايك موسلي وغيتس”.

حاول شوارتز أولاً التفاوض على الرقم النهائي لسلسلة F-22s إلى 243، وهو خفض بنسبة 35% عن الرقم الذي تريده القوات الجوية الأمريكية كحد أدنى وهو 381 طائرة.

لكن غيتس لم يتزحزح.. أخيراً، أقر شوارتز وغيره من كبار مسؤولي القوات الجوية بأن هذا كان نقاشاً لا يمكن الفوز به.

وبدلاً من ذلك، حولوا انتباههم إلى إقناع غيتس بأن الحكومة بحاجة إلى الاستثمار في الجيل التالي من منصات القاذفات قبل أن تصبح الطائرة B-2 الشبحية عتيقة خلال العقود القادمة.

لقد نجحوا، وأكدوا لغيتس أن مشروع القاذفة الجديد سيتم تطويره “بنظام لم يرَه من قبل”.

ببساطة، تخلَّت القوات الجوية الأمريكية عن رغبتها بشراء طائرات F-22 إضافية لصالح ما أصبح القاذفة الاستراتيجية الثقيلة B-21 Raider التي مازالت قيد التطوير إلى الآن.

يظهر غيتس كشخصية مركزية في رواية شوارتز، إذ ليس هناك شك في أن قرارات الشراء الخاصة به كان لها تأثير كبير على مصير F-22.

ومع ذلك، لم يكن غيتس وحده الذي يشك في فاعلية استمرار برنامج F-22 من حيث التكلفة.

 وصف السيناتور الراحل جون ماكين طائرات F-22 بأنها “ملكة حظيرة متآكلة”، بحجة أن “الـ168 طائرة منها، التي تكلف أكثر من 200 مليون دولار لكل نسخة، قد تصبح أغلى ملكات حظائر متآكلة في تاريخ الطيران العسكري الحديث”. (في كناية عن أنها ستكون ولن تستخدم).

وتعرضت طائرة F-22 لضربة قاتلة في عام 2009، عندما هدد الرئيس أوباما باستخدام حق النقض ضد استمرار إنتاج F-22، وصوَّت مجلس الشيوخ ضد توسيع البرنامج.

هل ندم الأمريكيون على قرارهم، وهل يعيدون انتاجها؟

تم اختصار البرنامج بسبب ارتفاع التكاليف، وعدم وجود مهام “جو-جو” واضحة بسبب التأخير في برامج المقاتلات الروسية والصينية، وتطوير F-35 الأكثر تعدداً في المهام والأقل تكلفة.

ولكن دفعت التطورات الروسية والصينية السريعة في تكنولوجيا مقاتلات التفوق الجوي المتقدمة إلى بعض الاهتمام الفاتر باستئناف برنامج F-22، خاصة أنه رغم كل عيوب المنسوبة للطائرات الشبحية الروسية والصينية فإن الفارق بينها والـ”إف 35″ ليس كبيراً، خاصة في ضوء النقد الموجة لطائرات “إف 35” من حيث قدراتها على المناورة.

لكن احتمالات عودة رابتور تبدو ضئيلة للغاية. بدلاً من ذلك، يضع سلاح الجو الأمريكي خططاً بطيئة ولكن بثبات لخليفة الجيل التالي من F-22.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعريف اليورانيوم ودرجات التخصيب (بقلم أدولف عيد)

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن أنشطة تخصيب اليورانيوم في إيران ، سواء في نشرات ...