تحت المجهر

فضائح الكهرباء لها عنوان واحد: المصالح السياسية لرئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل

عبادة اللدن – اساس ميديا

ثمة اختبار شديد الوضوح أمام الحكومة العتيدة، سيكون كفيلاً بكشف ما إذا كانت تستطيع الاستقلال عن المصالح العونيّة ومنعها من الهيمنة على الحكم: إلغاء مشروع محطتي الكهرباء والتغويز في سلعاتا.

مرّ ملف الكهرباء بانعطافات كثيرة منذ هيمنة “التيار الوطني الحرّ” على وزارة الطاقة والمياه، بدءاً بالوزير الأسبق آلان طابوريان في تشرين الأول 2008، وأقرّت خلالها ثلاث خطط للكهرباء، في 2010 و2017 و2019، ولم تنفذ أيّ منها باستثناء الشق المتعلق باستئجار المعامل العائمة (البواخر) التي أصبحت ثابتة من ثوابت القطاع في ظل الإدارة العونية للقطاع.

ما رسا عليه اتجاهات حلّ أزمة الكهرباء في الخطة الثالثة هو السير في إنشاء في معمل “دير عمار-2” من خلال اتفاقية شراء الطاقة من القطاع الخاص بطاقة 500 ميغاوات، وإنشاء معملين في الزهراني وسلعاتا بطاقة تقارب ألف ميغاوات، إضافة إلى إنشاء ثلاثة محطات عائمة للتغويز في كل من دير عمار والزهراني وسلعاتا، لاستيراد الغاز المسال وتخزينه وإعادة تحويله إلى غاز (Floating Storage and Regasification Unit- FSRU).  والهدف من هذه المحطات الاعتماد على الغاز في تشغيل معامل الكهرباء بدلاً من الفيول أويل الأعلى تكلفة والأكثر تلويثاً.

حتى اندلاع ثورة 17 تشرين الأوّل، كانت المناقشات تدور داخل اجتماعات اللجنة الوزارية المكلفة ملف الكهرباء حول شروط مناقصتي إنشاء معملي الزهراني وسلعاتا، ودراسة العروض المقدمة لمحطات التغويز، والتي تم فضها في يوليو الماضي. وبدا كأن النقاش تجاوز الحاجة إلى إنشاء معمل الكهرباء ووحدة التغويز في سلعاتا.

في ملف وحدات التغويز، كان رأي الاستشاري العالمي “Poten & Partners” منذ البداية في 2010 إنشاء محطة واحدة في البداوي. وطُرحت بالفعل مناقصة في العام 2013. إلاّ أنّ المصالح التقت بين “حركة أمل” والتيار العوني على تعطيل إقرار المناقصة في مجلس الوزراء، فجُمّدت ثم ألغيت عام 2016. ولو أنها أقرّت في ذلك الحين لحقّقت وفراً لا يقل عن مليار دولار حتى اليوم، من فارق التكلفة بين الفيول أويل والغاز. كانت “حركة أمل” تريد فرض محطة أخرى في الزهراني، وكانت تتسلّح ببعض الآراء الفنية التي ترى صعوبة تقنية في مدّ خط أنابيب من البداوي إلى الزهراني جنوبا. وهنا دخل التيار العوني على الخط ليفرض إنشاء محطة ثالثة في سلعاتا، لدواعي التوازن الطائفي، من دون مسوّغ فني واحد.

تحرير ملف الكهرباء من هيمنة العونيين يقتضي إلغاء معمل الكهرباء ومحطة التغويز في قضاء البترون

الخبراء لا يختلفون على أنّ استقدام ثلاث محطات في مدى شريط ساحلي يقل عن 200 كيلومتر، ضرب من العبث والهدر والفساد، ولا مبرّر فنياً له سوى تحقيق المصالح السياسية لرئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل. ففي العالم كله، لا يزيد عدد محطات الـ FSRU العاملة على 24. وتتراوح تكلفة المحطة الواحدة منها بين 200 و300 مليون دولار. أي أن لبنان يريد إنشاء ما يعادل ثمن المحطات العاملة عالمياً لتشغيل ما يعادل ثلث محطة كهرباء واحدة في مصر.

التبرير الوحيد الذي قدمه التيار العوني لهذا العبث هو ما قاله باسيل في التسجيل المسرّب الشهير خلال لقاء مع جمع من جمهوره في البترون. حينها قال إنه فرض الأمر “لدواعٍ طائفية”، واضعاً الأمر في سياق “تكسير رأس (رئيس مجلس النواب) برّي”، وأقرّ حينها بأن ذلك العناد “كلفنا تأخيراً لأربع سنوات”.

في أجواء التسوية الرئاسية، نالت وزارة الطاقة التغطية لطرح المناقصة بصيغة تغطّي على الفضيحة. إذ طلبت من الشركات العالمية تقديم عروضها لإنشاء محطات التغويز الثلاث معاً، مع إتاحة الخيار للتقدّم لمحطة أو محطتين من الثلاث، وذلك لعلمها أنّ طرح كل منها على حدة لن يجذب العارضين لمحطة سلعاتا. وكان الطرح لاستيراد الغاز وإنشاء المحطات في عطاء واحد، بحيث لا تتمّيز تكلفة المحطة عن ثمن الغاز. جاءت أدنى العروض من “قطر للبترول” بنحو 13.5 مليار دولار. إلا أن المناقصة ظلت مجمّدة إلى أن استقالت الحكومة.

في ملف معمل الكهرباء في سلعاتا، لا تقلّ المحاصصة فجاجة. يبدو فرض إنشائها مقابلاً طائفياً لإنشاء معملين في دير عمار والزهراني من دون تسويغ فني. فكلُّ من المحطات الثلاث يوفّر طاقة كهربائية بنحو 500 ميغاوات، فيما بالإمكان إنشاء محطتين بطاقة ألف ميغاوات لكل منها، مع تحسين شبكة الربط والتوزيع بين المناطق.

في مصر مثلاً، أنشأت “سيمنس” الألمانية ثلاث معامل جديدة بطاقة 4800 ميغاوات لكلّ منها، أي بتسعة أضعاف طاقة المعمل الواحد في لبنان، وبتكلفة ملياري يورو لكلٍّ منها (عدا الصيانة). ولم يستغرق إنشاؤها أكثر من 28 شهراً منذ تاريخ توقيع العقد. فلماذا يحتاج لبنان إلى ثلاثة معامل، طاقة كل منها 500 ميغاوات؟

الأنكى هو أنّ معمل سلعاتا لا تتوفر الأرض له. فالذريعة الأولى لتبرير إنشائه سقطت، وهي وجود أراضٍ مستملكة لهذه الغاية منذ عقود. إذ تبيّن أن المساحات المستملكة لم يتبق منها إلا 28 ألف متر مربع، وهي غير متصلة. فطلبت وزارة الطاقة ابتداءً توفير 200 مليون دولار لاستملاكات، ثم حين ثارت الاعتراضات على الرقم خفضته إلى 30 مليون دولار! ثم ما لبثت أن طلبت نقل الموقع بضع كيلومترات من حنّوش إلى سلعاتا، بعد أن استفاقت إلى أنّه في محيط الموقع الأصلي محمية طبيعية وموقع أثري! لكنّها لم تجب على السؤال الأصلي: ما الحاجة للاستملاك في سلعاتا إذا كانت الأرض متوفرة في الزهراني ودير عمار؟

فضائح الكهرباء لها عنوان واحد: المصلحة العامة رهينة المصالح الخاصة، ولأجل ذلك تعطّلت المناقصات وتأجّلت المشاريع واستمرّ الهدر والتقنين.

وإذا كان رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري سكت طويلاً ولم يشر إلى الهدر في محطة التغويز في سلعاتا إلا بعد استقالته (في حديث هاتفي مع مارسيل غانم)، فإنّ الاختبار الأول لاستقلالية الحكومة العتيدة هو أن تتمكن من قول الحقيقة الواضحة في هذا الملف، من دون الخضوع لحاجات باسيل السياسية وغير السياسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *