فروقات بسيطة، لكنها عميقة- بقلم عمر سعيد

فروقات بسيطة، لكنها عميقة.
تمهيد:
عام ١٩٨٩ حصل دالاي لاما على نوبل للسلام.
لم يكن للدلاي لاما تأثير خارج التيبت قبل ذلك بتاتًا.
لكنه كان يملك تأثيرا كبيرا على جماعته وقومه، وكان ذلك التأثير إيجابيًا، يضخ فيهم الأمل والطاقة.
لكنه في صباح اليوم التالي لمنحه نوبل للسلام، انفتحت دائرة تأثيره على من هم خارج التيبت.
وصار معظم الذين سمعوا به عالميًا يتابعون أحاديثه، يفتشون عن سيرته، ويقرؤون أفكاره.

التطبيق:
قبل سنوات كان نصر الله يملك تاثيرًا كبيرًا على مستوى المنطقة العربية، والعرب والمسلمين المنتشرين عالميًا، ذلك لأنه في حينها، كان يملك القوة الدعائية الكافية للتسويق لأفكاره، لا لمشروعه.
فالفرق كبير جدًا بين الأفكار والمشروع.
فقد يستخدم البعض أفكار عظيمة لأجل مشاريع مدمرة، كما يحصل مع المغرر بهم، أولئك الذين يقنعونهم بفكرة الجنة وحوري العين، ولكنهم يخدمون مشاريع قتل وتدمير.

وقبل سنوات أيضا كان سمير جعجع لا يملك تأثيرًا إلا على رفاقه في الحزب، وكانت الحملات الدعائية في لبنان والمنطقة، كلها تعمل على التضييق على تأثيره من خلال تشويه صورته، وإظهاره بمظهر المجرم.
اعتمد جعجع على قوته الداخلية في سجنه، واعتمد نصر الله على قوته الخارجية من خلال موقعه في الحزب، والسلاح، والمال، والدولة التي تدعمه، حتى بلغ مبدأ أن من لا يخضع له بالمال يخضعه بالقوة.
خرج سمير جعجع إلى الضوء، وظل يعتمد على قوته الداخلية، ويضخ الطاقة والأمل في كل من يلتقيهم، ويسمعونه، حتى عمم مبدأ: أن من حق أي لبناني أن يحصل على فرصة العيش بحرية وكرامة، في ظل دولة سيدة مستقلة.

ولأن الوقت غربال التجراب، راح تأثير حسن نصر الله ينحسر، ويضيق، حتى فقد جزء كبيرًا من بيئته الحاضنة، لا بل بلغ الانحسار عنده حد تصفية بعض القيادات غير المتفقة معه داخل الحزب، وفرار بعضها، واختفاء البعض الآخر.
فيما راح تأثير سمير جعجع يتسع ويتنامى حتى خرج عن دائرة حزبه، وفاق الدائرة المسيحية، وبات تأثيره واضحًا على كثير من اللبنانيين والعرب المسلمين أيضا.

فما هو السبب؟!
السبب بسيط جدا، وعميق جدا..
إنه شكل المستقبل الذي تؤمن به، عند سعيك للتأثير في الذين يصغون إليك.
إنه الأمل الذي تطلقه في سراديبهم، ليهتدوا.

إن تأثير سمير جعجع نابع من مواقفه، ومن الانسجام الواضح بين ما يقول، وما يفعل، ومن ارتكازه أولا وأخيرًا على قوته الداخلية، وقناعاته، ومبادئه.
هذه الأشياء البسيطة جدًا، هي اعظم قواعد النأثير في الآخرين.
ذلك لأن الآخر يتأثر جدا فيما تفعله لأجل نفسك، وأهلك، ومن هم حولك، والآخرين.
فالقوة الحقيقية لإقناع الناس تكمن في أن تمكنهم من رؤية أفعالك، وليس أقوالك.
ومهما تفاوت وعي الناس من حولك، يمكن لأبسطهم أن يحكم عليك من خلال أفعالك، ويقرر، ويحسم مواقفه منك.

وعليه، إن معركة حزب الله مع سمير جعجع معركة وجود، ذلك لأن مصدر القوة عند كل منهما مناهض للآخر، ولا يمكن لقوة التأثير بالسلاح أن تسمح لقوة التأثير بالتمكين الفكري والعملي من المضي قدمًا دون محاربتها.
غير أنه وفي الوقت نفسه لا يمكن لقوة التأثير بالتمكين والفكر والفعل ألا تنتصر على السلاح والمال.
والتاريخ زاخر بالشواهد، وأعظم شواهد العصر دالاي لاما، ونلسون مانديلا الحاصلين على نوبل للسلام.. ولتترقبوا نوبل للسلام في طريقها إلينا مهما احتلك الليل.
عمر سعيد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“الحزب” يتدخل: فرملة جعجع أولوية!

بعد أن أفرزت الانتخابات النيابية فوزاً كبيراً لحزب القوات اللبنانية وبفارق شاسع عن خصمه المباشر، ...