شوقي دلال العالق في فلسفة الصفرة (بقلم عمر سعيد)

.

يسيل شوقي دلال على عصب الريشة أصفر بتدرجات، تكاد لا تنتهي.
فلعله قادم من شمس وصحراء وخريف ولهب.
أو لعله مسكون بها رغم كل ألوان جبل الشيخ، وما يندلق عنه على ساحل المتوسط.

الأصفر عند دلال فرص لا تنتهي، والقماش جسد أنثوي، يقيم فوقه تضاريس اللون، يستقدمها من ذاكرة مشبعة بالهناك إذا تفلت وغاب.

شوقي دلال لا يرسم..
شوقي دلال يعيد الأشياء إلى مكانها، كما هي، بما فيها من لحظة، وحب، وتأثير، وجمال، وحياة، وتفاعل وموت.

إنه رجل بمخيلة أنثوية تعرف كيف تكون رحماً، يحبل، يلد، يصنع النمو في أعماق الحياة.

يعيد بنضجه العاطفي الجمال إلى لحظة كانت، يعبىء في مكونات لوحاته الألوان، يكسوها بالجدية والدهشة والحب والحياة.

هناك فوق القماش يبعث شوقي دلال الأشياء من ذاكرته، فتكون قيامة، كإعادة الخلق، وإليه النشور.

يطَعِّم أصفره بأوجاعه البنية، وآماله الزرقاء،
يشعل المتنائي فيه هنا وهناك ببقايا نار، قدسها تخليداً لإله يسكنه، وإن ظل يبحث عنه.

من يعرف شوقي دلال يفهم أبعاد الأناقة في أعماله، ذلك لأنها من أثبتِ ميزاته السلوكية في الشكل وما أخفاه.
فجدرانه، وإن تزاحمت فوقها عوامل الوقت، تأتي في لوحاته متماسكة، تتسع لكثير من المسامير التي ترفع الجمال وتثبته، دون أن يشعر المعلق بآلام الصلب.

ومتعة الجمال في رفعه إلى مستوى التذوق.

فأقام محل أبي محمود القشاش، في لوحته الأخيرة من وجدانه المتخم بكل التفاصيل، برائحة القش المبلل بالماء، القش المجفف، الخيطان والأسقف الرطبة، مقابض الأدوات المعدنية، الصدأ، التعفن المنبعث من الأبواب والجدران والزوايا المشبعة ببقايا لم تزل، رائحة عرق أبي محمود، وما علق بملابسه وأكفه.

كما أقام فيه تفاصيل الفراغات وامتلاءات المكان، وتداخلات الظل والضوء، بما فيها من إيحاءات وانكسارات، وبما تواريه من أشياء بقيت فيها دون أن نراها، وأعاده إلى الحياة يتنفس، ينتج، يضج بالحركة والديمومة.

لا شيء يبرر فلسفة هذا الفنان تجاه النار والأسطح والأضواء الصفراء أكثر من حلول الماضي الذابل فيه وإن لم يمت، فهو مبدع ممسوك بالأمس، يحتله الفائت بقوة الحنين، والرغبة للبقاء فيه.

غير أن عجلة الدفع، ترغمه على المغادرة، ليخرج من الأصفر في عمل أنهاه إلى الأصفر في عمل ينتظره، ويظل الأصفر ذؤابة اللون والآتي الذي يشده إلى الأمام.
عمر سعيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من يصفق اليوم يقتل غداً. (بقلم عمر سعيد)

جغرافيا تركيا المحكومة إسلامياً اليوم جذورها علمانية، لأن القواعد التي ثبتها أتاتورك هي الثابت الوحيد ...