شركة إنترا للاستثمار: “أكثر أسرار الدولة اللبنانية كتماناً”

بقلم: كريم مرهج
تحرير: جوليا شقير فيزوسو
ترجمة : صوفي شماس

أصبح سقوط بنك إنترا في ستينيات القرن الماضي مادة أسطورية. رويت نظريات مؤامرة وأعيد سردها لتفسير لماذا لم يكن أكبر بنك في لبنان ذات يوم أكبر من أن يفشل.
هل أزمة السيولة التي ضربت إنترا تمّ تلفيقها في الأساس؟ وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فمن الذي نشر الشائعات التي أدت إلى تزاحم دراماتيكي على البنك؟ لماذا لم يساعد المصرف المركزي اللبناني أكبر بنوك البلاد في وقت الحاجة؟ هل لأن مؤسسها يوسف بيدس فلسطيني؟ هل السعوديون متورطون؟ أم أنها كانت مجرد حالة تجمّع فيها رجال أعمال أغنياء ذوي نفوذ للقضاء على السمكة الكبيرة؟ حتى إدوارد سعيد (الذي كان أحد أقرباء بيدس البعيدين) فكر في الأمر، فكتب في مذكراته أن “الصعود والانهيار المذهلين لبنك إنترا اعتبرها البعض إنذاراً بالنزاعات اللبنانية الفلسطينية الرهيبة في السبعينيات.”
تجدد الاهتمام بهذا العملاق المالي مرة أخرى – هذه المرة بسبب التناقض الصارخ بين ما حدث في الأزمة المصرفية عام 1966 وما يحدث في أزمتنا الحالية.

تم التعويض على صغار المودعين في بنك إنترا بالكامل وتم إصلاح النظام المصرفي ككل. وبعدما اتّضح أنهم غير قادرين على الحفاظ على التحرّر في أقصى حدّ له، وافق المصرفيون على إصلاحات معينة للنظام المالي. تم إنشاء نظام تأمين على الودائع بهدف حماية المودعين في المستقبل (المعهد الوطني لضمان الودائع)، وتم تكليف كيانين جديدين للإشراف على المصارف وحتى الاستيلاء عليها في حالة فشلها (لجنة الرقابة على البنوك واللجنة المصرفية العليا).

تمتعت المصارف بالحرية لفرض تخفيضات فعلية على معظم المودعين، بينما بدأ أصحاب النفوذ بسحب ثرواتهم إلى الخارج. في السنوات الفاصلة، تم تحييد المؤسسات التي نشأت من كارثة إنترا لحماية المودعين، والتي اصطفت مع المقربين من أصحاب النفوذ.
ولكن بعيدًا عن التناقض التاريخي – وتجنباً للمتاهة التي تسببت تحديداً في انهيار بنك إنترا – فإن إرث إنترا يطاردنا بالمعنى المادي.
في النهاية، لم تختفي البقايا الشاسعة لما كان ذات يوم بنك إنترا في الهواء. لا بل أن الأصول المربحة للبنك البائد أصبحت شركة إنترا للاستثمار، وهي شركة مساهمة تأسست عام 1970 كأكبر مؤسسة مالية في لبنان.

بعد خمسين عاماً على انهيار بنك إنترا، لا تزال شركة إنترا للاستثمار قائمة، وتملك الدولة اللبنانية والمصرف المركزي غالبية الأسهم. ومع ذلك، يكاد الناس لا يعرفون شيئاً عن إنترا.
إنترا هي ” أكثر أسرار الدولة اللبنانية كتماناً”، على حد تعبير الخبير الاقتصادي ألبرت كوستانيان.

ماذا تمتلك شركة إنترا للاستثمار بالضبط؟ إلى أين تذهب الأرباح؟ هل تدر أي دخل للدولة؟
أصبحت الإجابة عن هذه الأسئلة حاسمة في أزمتنا الحالية.
أولاً، تعدّ إنترا من بين الكيانات التي ستطرح للبيع إن استمر الاقتراح المثير للجدل لخصخصة أصول الدولة الذي دفع به المصرفيون اللبنانيون في تحقيق النجاح. يجب أن يعرف الناس ما الذي يمكن الاستيلاء عليه.
علاوة على ذلك، بينما يكثف أصحاب النفوذ اللبنانيين دعواتهم لخصخصة أصول الدولة من خلال شركة مساهمة أو صندوق تخفيف الديون كحل لها للخروج من الأزمة، لدينا هنا حالة شركة مساهمة خاصة موجودة كانت تعمل على مدى 50 عاماً وهي ما ينبغي أن يهدئ ماضيها وحاضرها أي حماس للخصخصة.

أصول شركة إنترا للاستثمار المريبة
الفترة التي انهار فيها عام 1966، كان بنك إنترا مصرفاً ضخماً. في لبنان، سيطر على حوالي 50 في المائة من الودائع. وبحسب ما ورد كان لثلث أعضاء البرلمان وخمسة وزراء حسابات في المصرف.
كان البنك أيضاً المساهم الأكبر في المحركات الرئيسية للاقتصاد اللبناني، بما في ذلك طيران الشرق الأوسط، وكازينو لبنان، وجمعية فنادق لبنان الكبرى التي كانت تدير فندق فينيسيا. كان يمتلك أسهماً في الشركة التي مُنحت امتيازاً لمدة 30 عاماً لتشغيل مرفأ بيروت، وشركات في قطاع الترفيه والمسموع والمرئي، أبرزها استوديو بعلبك.
خارج لبنان، كان لدى إنترا فروع وشركات تابعة في سوريا والعراق والأردن والخليج العربي والبرازيل وليبيريا ونيجيريا. امتلك عقارات رئيسية في جنيف، وشارع الشانزليزيه الباريسي، ومدينة نيويورك، حيث اشترى ناطحة سحاب في مركز روكفلر في الجادة الخامسة، وعلّق عليها العلم اللبناني، وأطلق عليها اسم “بيت لبنان”، الذي كان حلماً لمركز للتجارة المباشرة إلى لبنان. كان لدى إنترا أيضاً استثمارات أجنبية كبيرة، بما في ذلك الشركة التي تدير ثاني أكبر حوض لبناء السفن في فرنسا.

حين انهار المصرف، وفي مواجهة حشد صغار المودعين للمطالبة بأموالهم، دفعت الحكومة اللبنانية 50 مليون ليرة إلى صغار المودعين في إنترا، الذين لديهم حسابات بقيمة 15000 ليرة لبنانية أو أقل.
لكن بقية عملية الإنقاذ كانت أكثر تعقيداً. لم يكن البنك مساهماً رئيسياً في الركائز الأساسية للاقتصاد اللبناني فحسب، بل كان من بين دائنيه حكومات الكويت وقطر والولايات المتحدة (ممثلة بمؤسسة ائتمان السلع التابعة للحكومة الأميركية (CCC)، والتي منحت قرضًا لبيدس لشراء القمح لمخازن الحبوب في مرفأ بيروت). كان المستثمرون السعوديون قد سحبوا بالفعل جميع أموالهم بحلول الوقت الذي انهار فيه المصرف.
فبدلاً من بيع بقية الأصول عن طريق التصفية للدفع لكبار المودعين، تم وضع خطة لتحويل المودعين إلى مساهمين في شركة قابضة جديدة تسمى إنترا للاستثمار.

كانت الخطة من بنات أفكار روجيه تمرز سيئ السمعة، الذي كان في ذلك الوقت يمثل شركة الخدمات المصرفية الاستثمارية الأميركية كيدر، بيبودي آند كومباني. استمر تمرز في الظهور في بعض حلقات الفساد الأكثر وضوحاً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي: أولاً كرجل أعمال دولي يتمتع بصلات جيدة، ولاحقًا بصفته “الممول الأساسي للكتائب”، وفي النهاية بصفته رئيس مجلس الإدارة الأكثر إثارة للجدل لشركة إنترا للاستثمار. في العام 1991، اتّهمه القضاء اللبناني رسمياً باختلاس 200 مليون دولار من خلال أنشطة مرتبطة بالبنية الداخلية، وفي العام 1997، اتهمته المحاكم الفرنسية بـ”الاحتيال المصرفي وتضارب المصالح وإساءة استخدام الثقة”.
بحلول العام 1980، باعت الولايات المتحدة أسهمها في إنترا، وباعت الشركة عقاراتها في باريس ونيويورك. لكن إنترا كانت لا تزال المساهم الأكبر في الشرق الأوسط وأفريقيا، وكازينو لبنان، وستوديو بعلبك (97.5 في المائة)، وبنك المشرق، وبنك الكويت والعالم العربي (96.65 في المائة)، على سبيل المثال لا الحصر. كما كانت تؤجر أصولها العقارية الضخمة وتحقق أرباحًا تقدر بنحو 7 ملايين دولار سنوياً.

فك رموز صندوق إنترا الأسود
نعرف عن ملكية إنترا وأصولها وأرباحها في سبعينيات القرن الماضي أكثر مما نعرفه عن أصولها وأرباحها الحالية.

في انتهاك للمتطلبات القانونية، لا تنشر إنترا التقارير السنوية أو البيانات المالية. الموقع الحالي للشركة غير نشط، والإصدارات السابقة هيكلية.
الأرقام الرسمية الوحيدة التي تصدرها إنترا موجودة في ميزانياتها العمومية السنوية في الجريدة الرسمية – ولكن تم نشرها بشكل متقطع، واستثنيت التفاصيل المتعلقة بأصول الشركة أو أنشطتها أو الشركات التابعة لها، وكان آخر إصدار في العام 2008.
بموجب القانون، يجب على إنترا، مثل جميع الشركات المساهمة، تقديم البيانات المالية وتقارير المدقق وتقارير مجلس الإدارة ومحاضر الجمعيات العامة، من بين أمور أخرى، إلى السجل التجاري، وهو مفتوح للعامة. لكن على الرغم من المحاولات المتكررة، لم تتمكن المنظمة الإعلاميةThe Public Source من الحصول على نسخ من السجل التجاري.

رفض رئيس مجلس إدارة إنترا، محمد شعيب، طلبين لميزانية إنترا لعام 2017 من قبل “مبادرة غربال” للرقابة على الشفافية على أساس أن قانون الوصول إلى المعلومات لا ينطبق على الشركات المساهمة التي تعمل ضمن اختصاص قانون التجارة. لكن قانون الوصول إلى المعلومات “ينص صراحة، في المادة 2، الفقرة 7، على أن “الشركات المختلطة تقع ضمن اختصاصه”، يفيد محمد مغبات، المحامي والمستشار القانوني الأول في جمعية الشفافية اللبنانية. يؤكد مغبات أن “أي شركة خاصة تمتلك فيها الدولة حصة، مثل إنترا أو طيران الشرق الأوسط، تُعتبر شركات مختلطة، ويجب أن ينطبق عليها قانون الوصول إلى المعلومات”.

عمليات التدقيق التي أجرتها شركة Deloitte و Ernst & Young على البنك المركزي في العام 2018، وتم تسريبها تحت اسم “مجهول” في العام 2020، “لم تتمكن من التأكد من قيمة استثمار البنك المركزي في شركة زميلة “إنترا للاستثمار” بسبب “عدم توفر” المعلومات المالية وغيرها من المعلومات ذات الصلة لإجراء مثل هذا التقييم.”

حتى ملكية إنترا مبهمة. باستثناء الأسهم المملوكة للدولة اللبنانية ومصرف لبنان، فإن كيفية توزيع الأسهم غير واضح. ورد أن الحكومة الكويتية، بعد أن تعرض البرلمانيون الكويتيون للفضيحة لاكتشاف أسهما مملوكة للحكومة في شركة تابعة لكازينو، باعت أسهمها في آذار 2006 إلى بنك لبنان والمهجر نيابة عن الملياردير العراقي البريطاني المثير للجدل نظمي أوشي – الذي ورد أنه باع بعد ذلك لرجل الأعمال اللبناني – الفلسطيني عبد الله تماري. بنك الكويت الوطني هو أيضا مساهم أقلية، في حين أنه من غير الواضح ما إذا كانت الحكومة القطرية لا تزال مساهمة. الأسهم المتبقية مملوكة لمستثمرين ومودعين سابقين في بنك إنترا وأحفادهم، ولم يكن لأي منهم رأي في كيفية إدارة الشركة.

إن معرفة مقدار الربح الذي تحققه إنترا أو كيفية توزيعه هو لغز آخر.
فوفقاً لمصادر مختلفة في الصحافة، كان العام 2003 هو أول عام تحقق فيه إنتراً أرباحاً منذ العام 1972. وفي أيار 2002، أفادت “الشرق الأوسط” أن شركة “إنترا للاستثمار” لم تكن تحقق أي أرباح، وأن ديونها تبلغ 40 مليون دولاراً بالإضافة إلى ديون تراكمية تبلغ 28 مليون دولاراً. كما أفادت صحيفة Le Commerce du Levant أنه في العام 2003، تلقت إنترا أرباحاً بقيمة 12 مليون دولار من كازينو لبنان، و9.5 مليار ليرة في العام 2002، و5.8 مليار ليرة في العام 2003 من بنك التمويل التابع لها – أكبر مصدرين للإيرادات. وبحسب الجريدة الرسمية، بلغت الأرباح 19.3 مليار ليرة عام 2008، و7.8 مليار ليرة عام 2007، و9.2 مليار ليرة عام 2006.
يشير تدقيق مصرف لبنان الذي تم تسريبه، والذي يذكر إنترا بإيجاز شديد، إلى أن الشركة أعلنت عن توزيعات أرباح في العام 2018، حيث ذهب 5.9 مليار ليرة (حوالي 3.8 مليون دولار بسعر الصرف الرسمي) إلى مصرف لبنان، بينما لم يتم الإعلان عن توزيعات أرباح في العام 2017. ومع ذلك، يجب أن تؤخذ محتويات هذا التقرير بحذر. وبالتالي يقدم المدققون “رأياً متحفظاً”، وهو في الأساس اعتراف بأنهم لا يستطيعون التحقق من أن البيانات المالية التي تم الحصول عليها خالية من الأخطاء أو السهو. ويقول الصحفي والاقتصادي المخضرم محمد زبيب، “يفيد التقرير أساسا أن المدققين يقومون بفحص الحسابات، لكن ليست لديهم القدرة على إجراء تدقيق بالفعل!”
وفقًا لرسالة غاضبة مفتوحة نُشرت في عدد نيسان 2005 من مجلة المؤشر، لم توزع شركة إنترا للاستثمار أرباحاً على المساهمين منذ أكثر من 31 عاماً – أي أولئك الذين كانت لديهم ودائع في بنك إنترا أعلى من 15000 ليرة لبنانية في العام 1966 والتي تم تحويلها قسراً إلى أسهم في إنترا للاستثمار.
لم تعقد الشركة أي جمعية عمومية للمصادقة على حسابات الشركة منذ العام 2009.

على الرغم من كونها شركة خاصة تُعتبر الدولة أكبر مساهم فيها، لا توجد بيانات تتعلق بإنترا في وزارة المالية.
جمعت تالا علاء الدين، الباحثة في “استوديو الأشغال العامة”، مؤخراً بيانات في وزارة المالية لمشروع يتعلق بأراض مملوكة للدولة وأشارت إلى أنه “لا يرد اسم إنترا في أي مكان عندما يتعلق الأمر بممتلكات الدولة!”
سألنا آلان بيفاني، مدير عام وزارة المالية من العام 2000 حتى استقالته في تموز 2020، كيف توزع أرباح انترا – علماً بأن الدولة اللبنانية تمتلك 10 في المئة من الأسهم. “إنترا مخفية عنا!” يجيب بيفاني. “إن كانت هناك بعض الأمور الصغيرة التي نعرفها عن إنترا، فهذا بسبب كازينو لبنان. كانت قرارات إنترا في مجلس إدارة الكازينو هي القرار المهيمن دائماً لأن الشركة تمتلك نصف الأسهم. عدا عن ذلك، ليست لدي أدنى فكرة عما تمتلكه إنترا. أعتقد أنها أصبحت عملياً شركة عقارية، لكن أكثر من ذلك لا أعرف. لا يوجد وضوح بشأن ما تمتلكه.”

ماذا تملك إنترا؟
زوّد مصدر سرّي منظمة The Public Source بتقارير تدقيق إنترا لعامي 2019 و2020، والتي أنجزتها Deloitte & Touche في تشرين الثاني 2021 وكانون الثاني 2022 على التوالي. في العام 2018، بلغت قيمة إجمالي أصول إنترا 422.3 مليار ليرة لبنانية (أو 278.7 مليون دولار أميركي)؛ وفي العام 2019، 411.9 مليار ل.ل.
هذا التقييم هو زيادة ملحوظة عن الرقم الأخير الذي نشرته إنترا في الجريدة الرسمية، في العام 2008، عندما تم تقييم الأصول بقيمة 366.8 مليار ل.ل. (242 مليون دولار)، مع تصنيف 56 بالمائة على أنها عقارات.
استنادًا إلى تقرير مدقق Deloitte & Touch بالإضافة إلى مستندات من السجل العقاري للحكومة، والتي تم الحصول عليها في تموز 2021 من خلال “مبادرة غربال”، جمعت The Public Source المعلومات التالية عن أهم ممتلكات إنترا.
استعادت منظمة The Public Source مستندات عن الشركات التابعة لإنترا والتي تشير إلى أنها شركات خاملة، تكمن قيمتها في الأصول العقارية التي تمتلكها، والتي تولد إيرادات من خلال الإيجار. شركتان من هذه الشركات التابعة هما شركتان عقاريتان مقرهما في فرنسا، ويترأسهما غالب المحمصاني، نائب رئيس بورصة بيروت، وفقًا لوثائق رسمية حصلت عليهاPublic Source .
على الرغم من أننا لا نستطيع تأكيد ذلك، فمن المحتمل أن تعود جميع العقارات إلى أيام بنك إنترا، الذي استثمر مؤسسه بشكل كبير في قطاع العقارات. في جميع الحالات، يجب أخذ التقييمات بحذر، حيث لم يتم تحديثها منذ العام 1996.
ولعل أهم الأصول العقارية في إنترا هو مبنى العازرية الشهير وموقف السيارات الخاص به في وسط بيروت – وهو أحد المباني القليلة في المنطقة التي لا تملكها سوليدير. بلغت قيمته 47.4 مليار ليرة لبنانية في العام 2019 (أكثر من 31 مليون دولار بسعر الصرف الرسمي)، ويعتبر المبنى أحد المركبات الرئيسية المدرة للدخل لشركة إنترا.

مؤسسة شبه حكومية أخرى للاستغلال
في معظم فترات وجودها، كانت إنترا نقطة جذب للرؤساء المعينين سياسياً والمتبرعين لهم.
عندما تأسست إنترا للاستثمار في العام 1970، أصبح من المعتاد أن يعين رئيس الجمهورية رئيساً للشركة. في خطوة من المحسوبيات الصارخة التي ميزت رئاسته، عيّن سليمان فرنجية صهره ووزير الخارجية الأسبق لوسيان دحداح. قام الرؤساء اللاحقون أيضاً بتثبيت رجلهم في إنترا.
“هذا هو الوضع في لبنان… إن نظرنا إلى تاريخ شركة إنترا للاستثمار، فكل رئيس عيّن الشخص الذي يناسبه كرئيس لمجلس الإدارة، لأن إنترا قوة اقتصادية وسياسية”، يعترف تمرز الذي عيّنه الرئيس أمين الجميل رئيساً لشركة إنترا في العام 1983.
لكن هذه الاتفاقية تغيرت في آب 1993، عندما أصبحت إنترا إحدى غنائم ما بعد الحرب لرئيس مجلس النواب نبيه برّي إذ يؤدي العديد من المسارات عبر متاهة إنترا إلى برّي.
أولاً، عيّن بري محفوظ سكينة، الذي كان قد شغل منصب النائب الأول لحاكم مصرف لبنان (1990-1993) وكان معروفاً بأنه قريب منه. كما عيّن شقيقه محمود برّي مستشاراً لسكينة.
بحلول العام 1999، ذكرت صحيفة ديلي ستار أن شركة إنترا للاستثمار كانت تواجه مزاعم باختلاس الأموال. في تشرين الأول 2001، انتخبت الجمعية العامة لإنترا مجلس إدارة جديداً، على أن يحلّ محمد شعيب محل سكينة كرئيس. كما ورد أن شعيب، وهو مصرفي مخضرم، مقرّب من نبيه بري. عضو آخر في مجلس الإدارة الجديد كان المصرفي ميشال فرنيني، الذي ورد أنه مقرب من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. كل من شعيب وفرنيني عضوان في مجالس إدارة شركتين تابعتين مقرهما فرنسا تمتلكهما إنترا.
بنك فينيسيا – المعروف سابقاً باسم بنك الكويت والعالم العربي عندما كان لا يزال فرعاً مملوكاً بالكامل من إنترا – يخضع منذ العام 1992 لسيطرة عائلة عاشور التي كان زعيمها رئيسًا لبلدية تابع لحركة أمل برئاسة بري.
بنك التمويل، المملوك بالكامل تقريباً من شركة إنترا، رئيسه حسن فران، المعروف أيضاً بأنه قريب من برّي، من العام 1993 حتى فضيحة فساد أجبرته على التنحي في العام 2018.
كان كل من بنك التمويل وبنك فينيسيا من بين الرعاة المؤسسيين لحفل 2016 السنوي لمؤسسة رندة برّي اللبنانية لرعاية المعوّقين.
مجمع العزارية المملوك من إنترا، بالإضافة إلى العديد من الشركات هو موطن لمنظمتين غير حكوميتين تابعتين لنبيه برّي: مقر مركز مدرار الطبي، وهو منظمة غير حكومية أسسها اثنان من أبناء بري، والمكتب الإداري لجامعة فينيسيا وهي جامعة خاصة في الزهراني مملوكة لمؤسسة ترأسها رندة برّي. ليس واضحاً ما إذا كانت هاتان المنظمتان تدفعان الإيجار.
الواضح هو أن مؤسسات الدولة الموجودة في المبنى تدفع إيجارات باهظة. وبحسب تقرير استقصائي في “الأخبار” عام 2005، وهو العام الذي انتقلت فيه وزارة البيئة إلى المبنى، دفعت الدولة 232.5 مليون ليرة (155 ألف دولار) كإيجار سنوي، وهو مبلغ زاد بأكثر من الضعف بحلول عام 2010، أي إلى 543 مليون ليرة. (362000 دولار). دفعت وزارة الاقتصاد والتجارة 472.5 مليون ل.ل. (315000 دولار) في العام 2010. أبلغ مصدر في وزارة المالية The Public Source أن الإيجار السنوي يبلغ حالياً 800 مليون ليرة و829 مليون ليرة لكل وزارة على التوالي.
باختصار، منذ العام 2005 على الأقل، تدفع الحكومة اللبنانية الإيجارات في إحدى أغلى المناطق في البلاد إلى شركة خاصة تكون فيها الحكومة ومصرف لبنان هما أكبر المساهمين فيها، ولكن لا يبدو أن هناك أرباحاً تعود إلى الدولة.
بصرف النظر عن بعض الضرائب التي تدفعها إنترا – الممتلكات والقيمة المضافة والدخل – بالإضافة إلى مساهمات موظفيها في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يبدو أن الدولة لا تجني أي فوائد من إنترا. علاوة على ذلك، فإن مبلغ الضريبة المدفوعة يتراجع بشكل تدريجي منذ العام 2018، من 3.7 مليار ليرة في ذلك العام إلى 2.9 مليار ليرة و2 مليار ليرة في العامين التاليين. في العام 2020، يبدو أن الشركة لم تدفع ضريبة الدخل والتي بلغت 835.7 مليون ليرة لبنانية في العام 2019.
تعمل إنترا كمثال مثالي لمؤسسات ما بعد الحرب الزبائنية. كما قالت عالمة الاجتماع ريما ماجد لمنظمة The Public Source، “في حين أن المحسوبية كانت موجودة قبل الحرب الأهلية، فقد تم دفعها إلى تطرفات جديدة في حقبة ما بعد الحرب. حتى المؤسسات شبه الحكومية استُخدمت لبناء نوع جديد من المحسوبية لقادة ما بعد الحرب لتجديد أنفسهم، من رجال ميليشيات إلى سياسيين.”

لقطات من فساد إنترا
تظهر إنترا بشكل أكثر وضوحاً من خلال سيطرتها على 52 في المائة من كازينو لبنان، والذي خضع للتدقيق منذ فترة طويلة من قبل الصحافة المحلية بسبب الفساد وكذلك الصراع على السلطة بين أصحاب النفوذ في لبنان.
كانت القاعدة غير المكتوبة لمشاركة الغنائم بعد الحرب هي أن يعيّن رئيس الجمهورية رئيس الكازينو – وهو الوضع الذي أدى إلى توترات مع سيطرة برّي على إنترا. في العام 2001، ورد أن بري، عبر سكينة، فرض تعيين عشرات المناصرين، مما أثار ذعر السياسيين في كسروان وجبيل الذين لطالما اعتبروا محسوبية الكازينو حكراً حصرياً لهم.
في الرسالة المفتوحة عام 2005 في المؤشر، اتهم المؤلف المجهول رئيس مجلس إدارة إنترا ومجلس إدارتها بإبطال مسؤوليتهم عن محاسبة رئيس الكازينو على عدم عقد المجلس منذ آب 2001 أو الجمعية العامة منذ آذار 1999.
في العام 2011، احتل الكازينو مرة أخرى عناوين الأخبار بفضائح الفساد خلال رئاسة ميشال سليمان.
خضعت شركة طيران الشرق الأوسط أيضاً لعملية شدّ حبال سياسي، هذه المرة بين برّي ورفيق الحريري والتي بلغت ذروتها مع مدير المحفظة الاستثمارية السابق للحريري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي ضخّ 225 مليون دولار في شركة طيران الشرق الأوسط مقابل أسهم. استحوذ مصرف لبنان على حصة شبه كاملة من شركة الطيران، ومنذ ذلك الحين، لم يعد لشركة إنترا للاستثمار – التي كانت تمتلك حتى العام 1997 نسبة 62.5٪ من أسهم شركة الطيران – أي رأي في شركة طيران الشرق الأوسط. من جانبه، ظهر بنك فينيسيا في فضيحة فساد قروض الإسكان المدعومة لعام 2019.
ثم نصل إلى قضية بنك التمويل، أحد أكثر ممتلكات إنترا سرّية. لم يعد موقع البنك الإلكتروني نشطاً ولا تسمح الإصدارات المؤرشفة بالوصول إلى أي تقارير سنوية أو بيانات مالية.
يقدم مقال نُشر في Le Commerce du Levant في حزيران 2005 بعض الأدلة. وبحسب ما ورد كان البنك يواجه نسبة سيولة منخفضة – لم يتمكن من الوفاء بسهولة بالتزامات ديونه طويلة الأجل – وكان معرضاً لخطر تسجيل الخسائر في ذلك العام. وكان من بين عملاء البنك سياسيون لبنانيون وسوريون مؤثرون، في حين كانت إدارته مكدسة بموظفين تابعين لحركة أمل ومقرّبين من الرئيس آنذاك إميل لحود. كما تم تسييس اعتمادات البنك للقطاع الخاص – كان أحد عملائه شركة خاصة نفذت عدة مشاريع لمجلس الجنوب، أحد غنائم نبيه برّي. تم الإبلاغ عن تأخيرات كبيرة في سداد القروض.
تحدثت منظمة Public Source مع مصدر مصرفي مطّلع زعم أن البنك استُخدم في رشاوى سياسية قبل الانتخابات البرلمانية. “حين تجري انتخابات، يتم إنشاء آلاف الحسابات في بنك التمويل فجأة وإيداع الأموال فيها، أو إضافة الأموال إلى الحسابات”. بالطبع، لم يسدد الناس هذه القروض أبداً. كانت هدية، كل منها بضعة آلاف من الدولارات أو نحو ذلك. توافق لجنة الرقابة على البنوك على شطب خطوط الائتمان هذه دون معاقبة إدارة البنك.” ويضيف “كان محافظ البنك المركزي على علم أيضاً بالانتهاكات الجسيمة والفساد في بنك التمويل.”
يعطي محضر مسرب من اجتماع مجلس إدارة بنك التمويل بتاريخ 2 تشرين الأول 2015 مصداقية لمثل هذه الاتهامات. وتشير إلى أن المجلس أعطى معاملة تفضيلية لحركة أمل وقائد الجيش آنذاك جان قهوجي وزوجته وأولاده الثلاثة.
وقد أدى ذلك إلى رفع دعوى قضائية ضد قهوجي تتهمه بالإثراء غير المشروع، مما فتح تحقيقاً قضائياً توسّع ليشمل سبعة شخصيات عسكرية بارزة أخرى. لكن بالنظر إلى الحالة المفككة للقضاء في لبنان وقانون السرية المصرفية، فليس من المستغرب أن تولد الدعوى “ميتة”.
في العام 2017، زعم مقال في إحدى الصحف العراقية أن حسن فران، رئيس مجلس إدارة البنك منذ أن أصبحت إنترا تحت سيطرة نبيه بري، قدّم رشوة لمحافظ البصرة للحصول على عقود مربحة لشركة طاقة كان يملكها ومقرها دبي.
في العام 2018، استعرضت الهيئة المصرفية العليا التابعة لمصرف لبنان، وهي أعلى سلطة قضائية مصرفية في البلاد، تقريرًا من بنك الائتمان والتجارة حول أنشطة بنك التمويل واستمعت إلى شهادة فران. ولكن بدلاً من تصفية البنك وإنهاء أنشطته، قررت اللجنة ببساطة إقالة فران واستبدال مجلس الإدارة. يبدو أن فران فرّ إلى لندن، ومكان وجوده غير معروف.
قال أحد كبار المصرفيين المطلعين على أنشطة إنترا رفض الكشف عن هويته لمنظمة The Public Source، “أفلس رئيس بنك التمويل البنك ولم يحاسبه أحد، لأن أحد الأشخاص الذين قاموا بحمايته هو أحد السياسيين البارزين.”
قدمتThe Public Source طلبات معلومات إلى مصرف لبنان عبر “مبادرة غربال” للحصول على تقرير بنك الائتمان والتجارة في شباط 2022. ولكن في 4 نيسان، أبلغتنا رسالة من رياض سلامة أن المعلومات المطلوبة تندرج تحت السرّية المصرفية، وبالتالي لا يمكن الكشف عنها. ولكن ربما كان العنصر الأكثر فظاعة في بنك التمويل هو تفاصيل كيفية تحقيقه لأي ربح على الإطلاق.
وفقاً لـLe Commerce du Levant، كان المصدر الرئيسي للدخل للبنك هو مشترياته من سندات اليوروبوند طويلة الأجل، أي ديونه المخصصة بالعملات الأجنبية، والتي بدأ بيعها للعملاء في العام 1997.
في أيار 2002، نشر بنك التمويل مئات الملصقات في جميع أنحاء بيروت، لدعوة العملاء للاستثمار في سندات اليوروبوند. وأوضح مدير قسم سندات الخزانة في البنك أن العملاء يستطيعون شراء سندات اليوروبوند من خلال بنك التمويل.
جاء ذلك تماشياً مع ممارسات المصارف اللبنانية الخاصة التي أدت إلى الانهيار المالي. ولكن كان هناك بنك مملوك جزئياً من الدولة ويحقق أرباحه عن طريق إقراض الدولة على حساب الدين العام.
يشير نبيل عبده، كبير مستشاري السياسة في منظمة “أوكسفام” إلى أنه “بين عامي 1994 و2010، شكلت عائدات الضرائب 97 بالمائة من خدمة الدين. هذا يعني عملياً أن إجمالي أموال دافعي الضرائب ذهبت لسداد الديون، مما يعني أن معظم هذه الأموال ذهبت إلى البنوك.”
يجب أن تكون قضية إنترا بمثابة الرادع المثالي لدعوات خصخصة أصول الدولة.
إن إدراك مقدار العقارات التي يمكن الاستيلاء عليها يحدد مقدار ما سيخسره الناس بشكل لا عودة فيه – وهي نقطة أكدها “استوديو الأشغال العامة” في حملتهم ضد بيع الأراضي المملوكة من الدولة.
“أي محاولة لإنقاذ البنوك من خلال مصادرة الأصول العامة من شأنها أن تزيد من تآكل أي مظهر متبقي من المساحة العامة ومصادر الإيرادات المحتملة لحماية السيادة الاقتصادية الوطنية من قبل الحكومات المستقبلية.” – هشام صفي الدين، باحث
“أي محاولة لإنقاذ البنوك من خلال مصادرة الأصول العامة أمر خطير” لأن هذا سيكون “نقلاً آخر غير عادل للثروة من الشعب اللبناني بأكمله، بما في ذلك الأجيال القادمة، إلى المسؤولين عن الأزمة”، كما يقول هشام صفي الدين، الباحث في الاقتصاد السياسي اللبناني، في مقابلة مع The Public Source، مضيفاً أنه سيكون له أيضاً “تأثير طويل المدى لزيادة تآكل أي مظهر متبقي من المساحة العامة ومصادر الإيرادات المحتملة التي يمكن استخدامها للتنمية الاقتصادية والحفاظ على السيادة الاقتصادية الوطنية من قبل حكومات المستقبل.”
ومع ذلك، يرسم تاريخ إنترا القذر أيضاً صورة واضحة تماماً لما تبدو عليه شركة مساهمة في لبنان: شبكة إجرامية مبهمة عن عمد من الخطوط غير الواضحة بين السياسيين ورجال الأعمال، حيث يسقط أصحاب النفوذ فقط حين يطمع الباقون في غنائمهم. إن إجرام على نطاق أكبر ينتظرنا إن تمّ إنشاء هياكل مماثلة بينما أي شيء آخر لا يتغير.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سمير جعجع… رجل المؤسسات

تاريخ سمير جعجع إرتبط بصورة “المنطقة الشرقية” حيث برهن جعجع أنه ليس قائداً لـ”القوات اللبنانية” ...