تحت المجهر

سليم جريصاتي مرشد الجمهورية “العونية”

جريصاتي وزير القصر الذي يعتبر الدستور "وجهة نظر"

قليلون من بين اللبنانيين هم الذين يعرفون حقيقة الدور الفعال والبصمة الواضحة لوزير شؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي في معظم، إن لم نقل، كل القرارات التي تصدر عن رئيس الجمهورية ميشال عون أو عن صهره رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية جبران باسيل، خصوصاً تلك التي تحمل في طياتها “اجتهادات” أو “فذلكات” قانونية ودستورية وترتكز على “خبرة” جريصاتي في صياغتها.
وهذا الرجل الآتي من خلفية قانونية تم تعيينه في منصب استحدث خصيصاً في حكومة الرئيس سعد الحريري التي أعلن عن تشكيلها في الـ31 من ديسمبر الماضي وتقدّم الحريري باستقالتها لاحقا، حيث صدرت مراسيم التشكيل الممهورة بتوقيع رئيس الجمهورية وهي تنص على إسناد منصب وزير دولة لشؤون رئاسة الجمهورية إلى جريصاتي.

تركيب الدولة

مسيرة جريصاتي في “تركيب الاستشارات” على قياس طالبها أو “موكله” ليست جديدة عليه، فهو تولى قبلاً منصب المستشار لرئيس الجمهورية السابق أميل لحود الذي أثبت التاريخ أنه أحد أفشل العهود الرئاسية، وفيه تجلّت بصمات جريصاتي كثيراً، ومن الواضح وفقاً للمسار الحالي أن عهد الرئيس ميشال عون سيتفوق في الفشل على عهد لحود، و”استشارات” جريصاتي تتحمّل مسؤولية جزئية في هذا الفشل.

وسليم جريصاتي من مواليد العام 1952 في زحلة تخرّج من الجامعة الأميركية في بيروت حاصلاً على درجة البكالوريوس. كما حصل على الشهادة اللبنانية والفرنسية في القانون، وعلى دبلوم في القانون الخاص. وأصبح عضوا مسجلا في نقابة المحامين في بيروت، وبدأ العمل في جامعة القديس يوسف محاضراً، ثم عيّن عضواً في المجلس الدستوري اللبناني.

عمل جريصاتي أيضاً في مكتب نائب رئيس الحكومة الوزير والنائب ميشال المر، ونائب رئيس الحكومة أيضاً والوزير إلياس المر سنوات طويلة. وفي العام 2012 شغل منصب وزير العمل في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ومنصب وزير العدل في حكومة الرئيس سعد الحريري. وهو بالطبع عضو في التيار الوطني الحر الذي يتزعمه جبران باسيل.

كان جريصاتي عضوا فاعلاً في مجلس إدارة بنك التمويل في التسعينات، وفي العام 2008 تم تعيينه عضوا في مجلس إدارة بنك الإمارات ولبنان. غير أن منصبين تولاهما جريصاتي خلال حياته العملية يؤشران بوضوح على منطقه ونهجه السياسيين، فهو اختير من قبل رئيس النظام السوري بشار الأسد ليكون أحد المستشارين القانونيين المكلفين بوضع الدستور السوري الجديد الذي جاء ليلبي طموحات الأسد ويعزز من صلاحياته ليزيد من بطشه ضد شعبه الجريح. كما تولى مهمة تقديم الاستشارات القانونية لفريق الدفاع عن المتهمين في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، وهم أربعة أعضاء من حزب الله.

مهمات حساسة

لا يتوانى جريصاتي عن تقديم “نصائحه” إلى الرئيس عون والتي تكون بمعظمها تفسيراً للدستور واعتباره “وجهة نظر”، حيث أسرّ لعون بأن تأخير الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس مكلّف للحكومة، عقب تقديم استقالة حكومته في الـ30 من أكتوبر الماضي، ليست خرقاً للدستور ولا ترتب عليه أيّ موجبات دستورية أو قانونية، بل الأجدر بعون “خرق” الدستور وإجراء مشاورات تفضي إلى الاتفاق على الحكومة بأسماء وزرائها وحقائبهم قبل إجراء الاستشارات النيابية.

ومن المعروف أن الحريري اضطر تحت ضغط الشارع الذي انتفض في وجه النظام اللبناني برمته، إلى تقديم استقالة حكومته تلبية لمطالب الشعب، ومحاولة لامتصاص النقمة العارمة التي اجتاحت لبنان من أقصاه إلى أقصاه وتجلّت بإطلاق الهتافات الصارخة في وجه كل الطبقة الحاكمة، ومستهدفة تحديداً وزير الخارجية باسيل الذي أصبحت الأهزوجة التي أطلقها المنتفضون ضده عنواناً لتحقيق أجرته مجلة التايم الأميركية ونشرته على غلاف عددها الذي خصصته لتغطية الانتفاضة الشعبية اللبنانية. واستناداً إلى الدستور اللبناني فالحالات التي تنص على اعتبار الحكومة مستقيلة واضحة ويأتي في مقدمتها تقديم رئيس الحكومة استقالته، وعلى رئيس الجمهورية عندها إجراء استشارات نيابية ملزمة لتسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة العتيدة.

غير أن عون أخذ في المماطلة بتحديد موعد لهذه الاستشارات ووقف جريصاتي أمام وسائل الإعلام يدافع عن قرار الرئيس ويعلّله بعدم تحديد مهلة لرئيس الجمهورية لإجراء هذه الاستشارات، مقارناً ذلك بعدم وجود نص دستوري يلزم الرئيس المكلف بمهلة زمنية لتشكيل الحكومة.

ما يفوت جريصاتي ومن يدورون في فلك رئيس الجمهورية أن خرق الدستور لناحية قيام الرئيس بمشاورات حول شكل الحكومة وأسماء وزرائها وحقائبهم، منوطة حصراً بالرئيس المكلف بتشكيل الحكومة، وهذا ما دفع رؤساء الحكومات السابقين في لبنان فؤاد السنيورة، نجيب ميقاتي وتمام سلام إلى إصدار بيان شديد اللهجة هالهم فيه “الاعتداء السافر على صلاحيات النواب بتسمية الرئيس المكلف من خلال الاستشارات النيابية الملزمة لرئيس الجمهورية بإجرائها وبنتائجها، ومن ثم الاعتداء على صلاحيات رئيس الحكومة عندما يتمّ تكليفه بتشكيل الحكومة بعد إجراء الاستشارات اللازمة، وذلك من خلال استباق هذه الاستشارات وابتداع ما يسمى رئيسًا محتملاً للحكومة، وهو ما قام به فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل كما أعلنه الأخير بذاته”.

واعتبر البيان أن “تجاهل استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري، وإهمال إجراء الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة المكلف، مع إنكارٍ متمادٍ لمطالب الناس المستمرة على مدى قرابة خمسين يومًا، يُعد استخفافًا بمطالب اللبنانيين وتجاهلاً لإرادتهم من قبل رئيس الجمهورية”.

وأضاف البيان “إنّ الاعتداء غير المسبوق، لا قبل الطائف ولا بعده، على موقع رئاسة الحكومة يشكل جريمة خطيرة بحق وحدة الشعب اللبناني وبحق أحكام الدستور”، مشدداً على أن “أيّ مرشحٍ لرئاسة الحكومة يوافق على الخوض في استشارات حول شكل الحكومة وأعضائها قبل تكليفه ويقبل بالخضوع لاختبارٍ من قبل لجنة فاحصة غير مؤهلةٍ ولا مخوّلةٍ دستوريًا، إنما يساهم أيضًا في خرق الدستور، وفي إضعاف وضرب موقع رئيس مجلس الوزراء”.

ورأى رؤساء الحكومة السابقون “بوجوب وقف هذه المهزلة فورًا والمبادرة ومن دون أيّ تلكؤ إلى العودة إلى احترام الدستور وما ينص عليه”.

وأمام وضع النقاط على حروف خرق الدستور، انبرى جريصاتي إلى التوجّه إلى الرؤساء السابقين، بالقول “إلى نادي رؤساء الحكومة السابقين، الخطيئة الوطنية هي في التحصّن بالمذهب وتطويق الدستور والقانون والقضاء. إن تطوير نظامنا السياسي ومنع الفتنة والوحدة الوطنية إنما هي أهداف تسمو على كل اعتبار. الرئيس خارج دائرة استهدافكم والرئيس الحريري أحوج ما يكون إلى الهواء الطلق، فلا تسمّموا أجواءه”.

عدوّ الطائف

من المعروف أن الرئيس عون الذي كان في العام 1989 عماداً قائداً للجيش ورئيساً لحكومة انتقالية عسكرية، عارض اتفاق الطائف الذي أقره نواب الأمة واتفقوا بعده على انتخاب رينيه معوض رئيساً للجمهورية، وسبب معارضته عدم الاتفاق حول شخصه لتبوؤ الرئاسة الأولى بحجة “سلخ” الصلاحيات التي كان يتمتع بها رئيس الجمهورية “الماروني” وحصرها في مجلس الوزراء مجتمعاً الذي يرأسه “مسلم سني”. ويبدو أن جريصاتي لا يزال متأثراً بهذه النظرية ويدفع عون باتجاه “استعادة” ما فقده، وهو يضع اللبنات الأساسية للجمهورية “العونية” ويرسم ملامح الجمهورية “الباسيلية” الموعودة كأمل إبليس في الجنة.

واليوم وبعد أن أعلن باسيل أن تياره مستعد لعدم المشاركة في الحكومة الجديدة، في حال شمل هذا الأمر الحريري ذاته، فإن جريصاتي يفصّل دستوراً جديداً يخلط ما بين مقامين؛ وزاري يمثله أعضاء الحكومة وسيادي يمثله رئيس الحكومة الذي يعتبر واحداً من الرؤساء الثلاثة الأساسيين في لبنان بعد رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان. ويبقى أن ينتبه الحريري ذاته إلى ذلك الخلط الذي يستهدفه شخصياً، ومن خلاله يستهدف حضور السنة في لبنان بتخفيض تمثيلهم من موقع سيادي إلى مجرد حصة وزارية.

صحيفة العرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق