لبنان

ساحات الفعل الوطني (بقلم عمر سعيد)

أقطع خلال تحركاتي اليومية عشرات الساحات في قرى وبلدات ومدن لبنانية ..
تلك الساحات التي ألفتُ ولعشرات السنين مشاهدها الباهتة:
١- سيارة تتوسطها بأبوابها المفتوحة ، و الضجيج ينبعث من مكبراتها فيغتال هدوء الناس ..
٢- عدد من الشباب المراهق يتجمع في حلقة ديكة تتناقد بعضها البعض بالقفز من جهة إلى أخرى وسط هرج ومرج ..
٣- شاب بلحية و شعر كشيخ الجبل يتربع فوق غطاء محرك سيارته الرانج روفر ، وأفراخ الساحة من حوله يتحلقون ، وقد اشرأبت شفاههم بالسجائر ..
٤- محلات الباعة بإنارتها الخافتة ، تغط في بلادة لا تطاق ، تتوسطها التفاتات الاشمئزاز من هنا وهناك ، ونظرات السخرية والاستعداء ..
وغيرها من الأفعال التي كانت تدفع بالعابر إلى إغلاق زجاج نوافذ سيارته تجنبا لما قد لا يمكن لمه فيما لو اندلق ..

منذ أيام معدودة، انقلبت تلك الساحات رأساً على عقب ، وما عادت مرتعا للعاطلين عن العمل ، ولا مساحة يجثم فوقها الفراغ بشكل ثقيل مقرف .
ولا عادت خاصرة يسيل منها كبت المراهقة بالتعدي على ضعيف عابر أو بالتضاحك على مار بصوت مرتفع ، أو بمغازلة الفتيات بوقاحة منفرة ..
فما ان أطل تشرين ، حتى تخلصت تلك السوح من كل أدران ماضيها التي كانت تفوح منها روائح التبول آخر الليل ، و بقايا السوائل المتبقية في قوارير الزجاج المبعثرة عند أسفل جدران ، كان يتكىء إليها سمار الليل الممل ..
اغتسلت بعرق الأجساد الثائرة ..
اغتسلت بالهتاف يصدع يباس الكسل الذي تكثف من سنين ..
اغتسلت بخطى الثائرين الذين راحوا يتعرفون على مداخل الوطن من تلك الساحات ..

هنا حملة أعلام ، وهناك جماعة تهتف ، وتلك أخرى تقفز مرددة : ثورة.. ثورة ..
والكثير الكثير من حلقات الفعل و الحوار والفكر ، تستقطب كل العقول التي ملت خمولها وترهلها ، فتنخرط في مطالبات ، أو نقاشات ، أو طروحات ، أو قراءات سياسية مستقبلية ، جعلت من تلك الساحات منصات لولادة جيل جديد من الإنسانية التي انتظرها الوطن طويلا.

فتلألأت أنوار الهواتف ، وتهادت أكف الملوحين في ساحة النور لتلاقي رفيف أعلام الوطن في ساحات النبطية وصور وصيدا وكفرمان ..
وتفجر الهتاف ينابيع تسيل من سفوح السلسلة الشرقية في الصويري و المصنع وبرالياس والمرج وقب الياس وثعلبايا وسعدنايل وزحلة وبريتال وبعلبك والفاكهة وعرسال والهرمل جداول ترفد بجريانها شلالات الفعل الثوري الهادر في بشري وصوفر وعالية وجل الديب وذوق مصبح ورياض الصلح والشهداء البترون والأشرفية وساسين وبرجا والناعمة ..
وقد غدت جميعها ساحات فعل وعمل وإنتاج وبناء ..
ساحات تفعل فعلها في أعماق العابر والمقيم ، وتعمل على إعادة تشكيل الانسلاخ عن السواتر والحواجز والفواصل لتنتج مساحات الانتماء والتلاقي والتواصل الوطني ..
ساحات بناء الإنسان في الإنسان ، وبناء الإنسان في الوطن والوطن في الإنسان ..
ساحات الشعارات التي حققت التكافؤ بين المأمول والواقع .
ساحات الفعل الوطني .
عمر سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: