سائق الأوتوكار والتلامذة والأهل (بقلم بيار بو عاصي)

لطالما ادعى وتباهى بأنه قبطان السفينة. أما في الواقع فهو شوفير بوسطة وتحديداً حافلة مدرسية او ما يعرف بالأوتوكار.

والاوتوكار رديفُ رهابٍ بغيض ينتاب تلامذة الارض في الصباح الباكر فيما يعشقونه في المساء.

أما السائق فهو محطّ مزيج من عاطفة وشيء من التعالي لدى التلميذ الذي يقضي وقتاً طويلاً برفقته بدون ان يعرف، ولا حتى ان يحاول معرفة شيء عنه.

ويبقى السائق-اللغز حاكماً متحكماً بالرحلة ومناوراتها واشتباكاتها اللفظيّة اليومية. هو القائد.

اما وسيلة النقل فينحصر اهتمام التلامذة بشكلها ولونها وسهولة فتح واغلاق النوافذ ومكان جلوس كل واحد منهم فيها.

الباقي تفاصيل تقنية ميكانيكية مملة، لا اهتمام للاولاد بها، تماماً كعلاقة المواطن بالدولة.

ذات صباحٍ ربيعيٍّ جميل، وبعدما امتلأت الحافلة بالتلامذة الحزينين لفكرة قضاء ساعات طوال في صفوف الدراسة، اوقف السائق الآلية وقال لهم:

يا شعب الأوتوكار العظيم، لن اتوجه بكم الى المدرسة اليوم، بل سوف آخذكم في رحلة الى الطبيعة حيث تكونون احراراً في اللعب عوض الخضوع لإملاءات المعلمين المملين.

فرح التلامذة وقدموا له كل ما يملكون من حب وثقة ونقود وعرايس لبنة لم تكن قد تشتشت بعد وقناني مياه وتفاح. الحيلة والفتيلة بالكاد تكفي للتعبير عن الامتنان والتقدير.

ما ان انطلقت الحافلة حتى أنشد التلامذة بصوت هستيري واحد: يا شوفير دعاس بنزين عالميّة وتسعة وتسعين… تناسوا، او لم يدركوا اصلاً، بان الحافلة غير قادرة على الوصول الى سرعة ١٩٩كم/‏ساعة وبأنه في حال وصلت لن يبقى مخبّر في الحافلة عند اول منعطف. اوقف السائق الحافلة في حقل أخضر جميل، مزدان بالزهور الحمراء والبيضاء. مشهد خطف انفاس التلامذة التواقين للطبيعة واللعب في كنفها.

طلب السائق منهم عدم الترجل حتى يعطيهم الاذن بذلك وهكذا كان. الثقة اساس الالتزام. ترجّل الشوفير وتأكّد بأن الحافلة مركونة تماماً فوق سكة الحديد.

اوصد الابواب والنوافذ وابتعد الى مسافة تسمح له بمشاهدة الرعب الآتي بكل امان.

وفيما التلامذة مزهوون يشيرون بايديهم الى السائق المبتسم، أطلَّ القطار. سمع الاولاد صفيره فركضوا الى النوافذ لمشاهدته متحمّسين فرحين. حين ادركوا ان الارتطام حاصل لا محال خافوا خوفاً عظيماً وصرخوا متوسلين النجدة من سائقهم، من قائدهم، من بطلهم. لم يخطر لحظة ببال براءتهم بان كل مبتغاه كان مشاهدة هذه اللحظة.

تطايرت قطع حديد الحافلة وزجاجها واشلاء صغارها وتناثرت بين الزهور وشقائق النعمان. كان الضجيج مرعباً وكان الصمت اشدّ رعباً. في كل ضجيج شيء من الحياة وفي ذلك الصمت صوت الموت الرهيب. وحدها ابتسامة السائق القاتل الخائن كانت اشد فظاعة من مسرح الجريمة.

حين سأله أحدهم ماذا ارتكبت يداه في ذاك اليوم المشؤوم اجاب: لم افعل شيئاً. كل ما قمت به هو ركن الحافلة في الحقل. كان الاولاد سعداء فرحين وقدموا لي كل ما امتلكوا عربون وفاء. اما المجزرة الرهيبة فلقد ارتكبها القطار وسائقه.

وعادَ السائق الى عمله وارسل الاهل اولادهم في حافلته، لاعنين القضاء والقدر والقطار وسائقه.

ذات صباحٍ ربيعيٍّ جميل وبعدما امتلأت الحافلة بالتلامذة، أوقفها السائق وقال لهم:

يا شعب الأوتوكار العظيم…

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أذواق أبنائنا أخطر ما نقدمه للحياة.. (بقلم عمر سعيد)

حقيقة لولا تباين الأذواق لبارت السلع. ولكن دعوننا نطرح عدة تساؤلات حول تباين الأذواق: فما ...