حكي تنور .. لماذا فشلت؟! (بقلم عمر سعيد)

في طفولتي كان ديوان أبي يعج بالضيوف البسطاء، وهكذا كان كل المجتمع، فلم يكن بين ظهرانينا لا متنبي ولا محمد عابد الجابري، ولا تلستوي، وصادفت أني من بيئة قد كان بينها وبين العظماء جبال من سعي ووعي وتضحيات.
كانت تبدأ السهرات بأحاديث مبتورة، وتستمر إلى أن ينطلق السرد، فتتفتح المخيلات عن ما لا يحصى من أساطير وقصص وحكايا..

ولسوء حظي، لم أجد من يعي معنى أن تحكي ومن حولك أطفال يتحلقون.
كان الطفل بالنسبة للمتحدث في تلك البيئة غير عاقل، و(قرد شو بفهمه).

ويبدأ الحديث عن طول سيدنا آدم كما كان يطيب لهم أن يسموه، ثم ينتقل إلى جمال يوسف، ثم يعرج صوب صبر أيوب، ليبلغ عذابات المسيح وأمه التي سكتت، وقد تركته يدافع عنها وهو في المهد، ليحلق المتحدث مع ركوب النبي الأمي البراق والصعود إلى السماء.
وفجأة ينتقل إلى قصص عنترة، والزير سالم، وجساس وكليب، تلك التي كانت تغدق على المخيلات بخيال لا يطيق كبحه.
ولا أدري كيف يتحول الكلام إلى الحديث عن الجن والمارد، ومواطنهم في المحفارة والعين، وبين العليقات.

وينقلب إلى الحديث عن أصحاب الكرامات الذين يطيرون بلا أجنحة، وعن الرصد، والذهب المخبأ في القبور والكهوف، حيث لا يجده إلا من يجد تلك الصخرة التي عليها قدم موسى، الذي قتل فرعون الذي يستحق القتل لأنه لم يكن كافرا فحسب بل وغول أطفال أيضا.
وتطول السهرة، وتمتد ساعات الخيال التي لا تنضب، وأصوات المطر والمزراب، واحتكاكات ما تخلع من خشب وحديد في الابواب والأسطح المستعارة والنوافذ خارجاً، جميعها تضفي على السهرة جواً يحبس الأنفاس بين التحفيز والخشية التي كانت تجعلني أتبول على نفسي ليلاً، لأجلد صباحاً قبل حمام بماء الشتاء البوظ.

كنت أنام الليل وأنا انتظر أن أصبح طويلا كآدم، وأظل أعرض وجهي على المرآة لعلي أكتسب جمال يوسف، وانتظر أن أصاب بالمرض لأتفوق على أيوب، وأحلم بأن أعوض على مريم في مسيحها، وأتيه من شدة التفكير في تصميم براق، أركبه لأبلغ ما بلغه محمد.

وفي الصباح أبدأ بصناعة الرماح لعنترة، والسيوف لجساس وكليب.

ثم أبدأ التخطيط لربط الجن، وإعادته إلى التنور، وتوظيف المارد لصالحي، وللطيران، وقتل فرعون، وامتلاك الذهب، وتحويل المحفارة إلى منتزه سياحي.

لكني وبعد كل هذه الجهود الحثيثة فشلت!
فلم فشلت؟!

فشلت لأني حاولت أن أطول، ولم يخبرني أحد بدور علم الوراثة في البنية الجسدية، وقد كان كل أقاربي من مربوعي القامة.

فشلت لأني لم أجد من يخبرني أن وجهي يليق بي، وأنه قد لا يناسبني بتاتاً وجه يوسف.

فشلت لأني لم أسمع من أحد أن صبرنا على ما نحن فيه اليوم يجعل أيوب يستحي منا.

فشلت لأني حاولت أن أكون مسيحاً، في الوقت الذي كانت فيه أمي منشغلة باطعام البقرة السوداء، ولم تتنبه للصليب الذي كنت أصنعه من الثقة العمياء بقصص من حدثونا في تلك السهرات.

فشلت لأني حاولت أن أكون نبيا يقدس السماء، في الوقت الذي لم أجد فيه من يخبرني أني أستطيع أن أكون بشراً يحب الأرض.

فشلت لأن كافة الرماح والسيوف التي صنعتها لعنترة وجساس وكليب، كانت من عيدان الذرة، وسيقان دوار الشمس التي كنت أجففها على السطح، ثم تأتي لتستخدمها أمي حطباً، تسعر فيه نار التنور يوم الخبز.

فشلت لأني لم أجد من يخبرني قصة دونيكشوت الذي ظل يحارب طواحين الهواء، وأن الجن والمردة من صنع خيال العاجزين.

فشلت لأني حاولت قتل الفرعون، في الوقت الذي كان فيه كل من حولي يصلي له.

فشلت لأني اعتقدت أن الذهب أغلى الأشياء.

فشلت لأني طرت فزعاً حين نظرت من شرفة في الطابق العاشر في بيروت، وشعرت بمتلازمة الخوف من المرتفعات، وأنا الذي كنت أتباهى بالقفز عن سطح التبان إلى المزبلة خلفه.

فشلت لأني كنت أصم أذني عن صوت المزراب وعن كل ما تخلع، بدل أن أقوم بتثبيته، والاستثمار في مياه المطر التي لا زالت تفيض وتحدث الخراب كلما حل الشتاء.

فشلت لأني أمنت بكرامات الساهرين عند أبي أولئك الذين اتخموا مخيلتي بدخان تنور لا زال إلى اليوم يعمي بسكنه عيوني، ويحجب عني الرؤية بوضوح.

فشلت لأن المحفارة التي كانت مستنقع ضفادع ومياه آسنة، تحولت إلى مستنقع سلوكيات تشير إلى مخلفات مجتمع التنور، ولأن العين جفت، وقد وأثبتت أن الجن يسكن حولها وليس فيها.
فشلت لأن شلش عليق الشُعُب الضيقة في قريتي، والذي أزالته جرافات توسيع الطرقات، لا زال يمتد تحت جلودنا وفي لا وعينا، ليراكم في كل الشوارع التي نحاول تعبيدها مطبات تحطم كل مركبة تعمل على العبور بنا إلى ما وراء تلك الجبال.
#عمر_سعيد.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ماذا لو تحولنا إلى اقزام؟! (بقلم عمر سعيد)

في واحد من لقاءات الزوم القديمة لمجموعة من نادي الكتاب اللبناني، طرح الزميل بهاء سؤالاً ...