حكي تنور .. فاقد الشيء لا يعطيه (بقلم عمر سعيد)

حكي تنور

فاقد الشيء لا يعطيه
لم يجمع التنور إلا العاطلين عن العمل صيفاً شتاءً، أولئك الذين يرسمون الأوهام بدقة، وتفاصيل تتخطى التوقعات، فيصدقون ما يرسمونه، إلى أن يغرسوه في لاوعيهم، فتتحول أوهامهم إلى سجون، جعلت الكثير منهم يقضي حياته داخل أبعاد تنور، ويرى العالم كله عبارة عن تنور.

وتطول جلسات التخطيط والتأليف، ليصل الواحد منهم إلى كل أمانيه، ويحقق أحلامه، فرائحة الخبز ودفء النار يغريان بالقعود ثم التحدث والتحدث، ولا شيء أكثر.

كانوا يلوكون قصص عنترة وأبي زيد الهلالي وتبع وجساس وغيرها كل شتاء، فيضيفون إليها خيالا لا يليق بخيالها، ويغيرون الجغرافيا، والمواقف، والأمكنة، التواريخ، ومن يبالي, أو يهتم؟!
طالما ليس هناك من يحاسب.

والمحاسب هنا هو النقد، والمحاكمة، والتحقق، الغائب عن الذهنية العربية، والذي يمنحها ذلك الاسترخاء المتبلد في التأليف والتوظيف، فما من شيء يشكل لها تحد.
وما دامت المراجعات مفقودة، والمساءلات غائبة، فما الضير من أن تسير الحكايا عكس ما ينبغي، وتخالف الحقائق، والتواريخ والقيم!

فعنترة الذي كان يتغنى بعفته في بيته الشعري الشهير:
“وأغض طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها ”

لم يكن عنترة نفسه في حكايا التنور، وذلك تماشيا مع الذهنية التي توظف المواد الفكرية لصالح أهواء جلساء الخبز والنار والبطالة.

فقد كان عنترة التنور ملهم المتجمعين جنسياً، ومحرضهم على الغزو والفتك العنف والقسوة.

وكم تخيلت في طفولتي بولة عنترة وهم يتجادلون حول طولها لساعات، فمنهم من كان يقول أنها كانت تشكل قوساً يمر من تحته جمل، ومنهم من قال أنها كانت تملأ جرة، وتزيد.
ومنهم من روى أنها كانت توقظ كل نائمي الحي، ومنهم من تحدث عن أن المتتبعين كانوا يستدلون على عنترة بتتبع آثار حفر بولته في الطريق، لشدة عمقها.

ولم يكن عنترة في التنور رمز القيم بتاتاً، بل كان رمز الفتك والفحولة، والقبح.

وحين كنت ألتقي عناترة قريتنا، كنت أعاني من خلل الصورتين اللتين تقع مخيلتي بينهما:
عنترة المبوال الطعان، الذي يكاد يرفع بعضوه الذكري صخرة، وعانتر قريتي هزيلي البنية، قصيري القامة، بسراويلهم التي تفشى البول على أفخاذها.
ولم يجبني احد عن كل تساؤلاتي حول هذه التناقضات.

كبرت، وقرات، وقرأت، حتى اكتشفت أن عنترة كان شاعراً، وشاعراً قيمياً مرهفاً، اضطره عشقه للحرية إلى العنترة، واضطره عشقه لعبلة إلى الشعر، ويستحيل أن يكون العاشق الحر إلا قيمياً.
عندها عرفت معنى ” فاقد الشيء لا يعطيه ”

ففي مجتمع التنور الخاوي، لا يمكن للقاعد فيه أن يعطي الآخر مكانه.
لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

وقد كانت أصغر أحلام الأب أن يصبح ابنه طياراً، وما كان في القرية من أحد يعرف كيف يصنع طيارة ورقية!

لذا ظلت غالبية الأجيال التالية تتسرب من المدارس، ذلك لأن أعظم أحلام أفرادها لم تبلغ أبعد من حدود الحكي والرغيف.
ففاقد الشيء لا يعطيه.

تسرب غالبية الأبناء من المدرسة، لأن عنترة خرج من تحت جلد الصبي الذي بلغ الخامسة عشرة في الصف، وانتفض في وجه معلمه، وليثبت فحولته أمام عبلة؛ أرداه بعصا.
ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، تدخل الأب بعنترية، وبدل أن يُجبّر القضية كسرها.
وتدخلت الأم بعنترية، وقبل أن تطير عبلة، ويدمر عنترها المراهق لأجل عينيها المدرسة على معلميها، خطبت له عبلة.
فتأسست أسرة على أنقاض تعليم لم يتعد تهجئة الكلمات.
وقام مجتمع واسع جدا على أكتاف أمّيّة الذين لا زالوا يؤمنون وإلى اليوم أن أفضل الفتيات تلك التي “ما باس تمها إلا إمها”.

وتسقطت كافة المعايير الأخرى التي يتطلبها بناء الأسرة من تكافوء، وتفاهم، وإدراك مسؤولية الإنجاب، وتربية وتعليم النشء، واقتصاد المنزل، وتبادل العلاقات الاجتماعية.

فتحولت مسيرة المجتمع كلها إلى جماع، وإنجاب، ومراكمة كتل لحمية صغيرة، تكبر عامودياً وأفقياً وفي كل مكان، وزمان بأجسادها التي لا زالت إلى اليوم مجرد كتل لحمية، ليس أكثر.
ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

ولما كانت النار أشد ما يأخذ ولا يعطي، كان لا بد لجلسائها من تعلم حكمتها، فنشأت من تنانير القرى وحكاياها أجيال تأخذ ولا تعطي، وكيف لفاقد الشيء أن يعطيه.
عمر سعيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ماذا لو تحولنا إلى اقزام؟! (بقلم عمر سعيد)

في واحد من لقاءات الزوم القديمة لمجموعة من نادي الكتاب اللبناني، طرح الزميل بهاء سؤالاً ...