حكي تنور… الصوت نادراً ما يخون (بقلم عمر سعيد)

#الصوت_نادراً_ما_يخون

بدأت الغناء في عمر تسع سنوات.
كان الذي اكتشف صوتي الأستاذ جوزيف بوعاصي.
كنا يومها في مدرسة حكومية، وكان هو مدرساً يأتي من زحلة إلى قريتنا الصويري، ليعلمنا الموسيقا.

وتخيلوا أن يدخل النغم على يد مدرس رقيق من زحلة قرية كانت أشهر آلاتها الموسيقية منجيرة بين أصابع الرعيان، وربابة بين يدي الريس علي النوري في خيمته الصيفية على عين الصويري..

كانت عين الصويري أيامها ملفى عصافير، ونسائم باردة، وحفيف أوراق شجر الحور، الذي كانت تغص ظلاله بالصيادين، والملايّة، كما كنا نسميهم أيامها، وبالنور الذين كانوا يأتون من المجهول.

لم تكن طرقات قريتي الداخلية أيامها تتسع لغير الدرجات الهوائية، والدواب.

في الحصة الأولى للمدرس جوزيف بوعاصي، جلس على كرسيه خلف كوع الصوبيا، وقد كان الوقت شتاء..
فتح صندوقاً أسود. استل منه آلة؛ لم أكن قد رأيتها من قبل، ولا حتى في التلفاز، لأننا لم نكن نملك أيامها تلفازاً.
بدأ يمر بأصابعه على الأوتار، ويلف مفاتيح سوداء باليد الأخرى، حتى شعرنا أن صوت الآلة قد استقام.
استوى على مقعده، وبدأ يعزف..
أذكر أن المدرس قد نبهني بسؤال:
– عمر لماذا تبكي؟!
وأذكر أني انفجرت بالبكاء وبصوت مرتفع..
بدأ الأطفال من حولي بعضهم يبكي لبكائي، والبعض الآخر يضحك ساخراً مني.
بكيت حتى هدأت، بعدها ناداني المدرس، وأخذ بيدي الصغيرة، وراح يمررها على ظهر العود.
لا زلت إلى اليوم أشعر بملمس العود فوق شغاف روحي، لا تحت باطن كف يدي.

سألني : هل تحفظ أغنية..
وبلا تردد قلت:
” ع اللوما ”
قال: غنها..
ودون تردد انطلقت أغني..
وبدأت أشعر بنغم العود؛ يسيل على عنقي مع سيلان صوتي الصغير..

أخذني الأستاذ جوزيف بو عاصي من يدي، ودخل بي غرفة المدير الأستاذ حسين بو دية.
وقال له : اسمع.. ثم طلب مني إعادة الغناء
بدأت اغني، وهو يرافقني بالعزف.

عدت إلى البيت مطبقاً كفي على ما لمست، وفي خيالي تلك الآلة التي لم أعرف اسمها.

رحت أرسمها على ورقة، فبدت كإجاصة..
وفي المساء عرضتها على أبي، وأنا أسأله:
– هل تعرف ما هذا ؟!
فأجابني: إنه عود .. أين رأيته؟!
غصصت بالبكاء.. وأنا أحاول؛ أن أخبر أبي بما حصل.
وعدني أبي أن يشتري لي عوداً.
ورحت أنتظر العود، وأتدرب على العزف في خيالي..

غادرت لبنان إلى العراق للدراسة، ولم أكن قد بلغت السادسة عشرة، وهناك بدأت علاقتي الحقيقية بالعود..

مات أبي، ولم يشتر لي عوداً، ليس لعسر، بل لأنه ككل الآباء الشرقيين، يقولون لأطفالهم ما لا يفعلون، لاعتقادهم أن الأطفال بلا ذاكرة.

لكني عدت من العراق ومعي عود، وبقيت أعزف وأبي يغني، وظل هكذا إلى ما قبل موته بثلاثة أشهر.

ذات مساء، قال لي:
– جيب هالعود سليني شوي.
مازحته قائلاً: أتذكر ما لي في ذمتك؟!
فقال بلا تردد: عود!
ثم أكمل: إن شاء الله عندما أتحسن، نذهب معاً، أنت تختار العود الذي يعجبك، وأنا ادفع.
لكنه، أخلف بوعده للمرة الثانية، ولم يتحسن. وظل صوته في رأسي:
“إصحك تبطل غناني”
كنت أعرف ما يعني بكلامه.
فقد كان ينام تاركا النافذة مفتوحة، ليسمعني إذا بدأت العزف والغناء، وقد نام الجميع منتصف الليل من على زاوية البرندا، كما لو أني ناسك يتلو مسبحته الليلية.

وها أنا لا زلت أغني..
اغني.. لأجل اثنين فقط:
أبي..
ومدرسي جوزيف بو عاصي..
فقد كانا أول من أحبا صوتي الذي لا أطيق حبسه إذا ما انطلق يغني.
رحلت عين الصويري، ورحلت عصافيرها، ونسائمها الباردة، والريس علي.
ورحل أبي، ولا أدري إن رحل جوزيف بوعاصي..
لكنه صوتي.. يأبى الرحيل، ويصر على أن يذكرني بكل الذين لا زالوا يقيمون فيه، فالصوت ذاكرة إنسانية؛ نادراً ما تخون.
#عمر_سعيد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكي تنور .. لماذا فشلت؟! (بقلم عمر سعيد)

في طفولتي كان ديوان أبي يعج بالضيوف البسطاء، وهكذا كان كل المجتمع، فلم يكن بين ...