لبنان

حسن نصرالله.. جهد السيطرة على البيئة الشعبية

من الهيّن على المتابع للشأن اللبناني وتحديدا منذ انفجار انتفاضة 17 أكتوبر الشعبية، أن يلحظ في متابعته لمسلسلة خطابات حسن نصرالله التي كان آخرها يوم 20 مارس، الجهد الكبير الذي يبذله الرجل للحفاظ على سيطرته المادية والمعنوية على ما يسميه بيئته الشعبية.

فها هو يتوسل كل فنون الخطاب السياسي والعاطفي والديني، وما أمكن من إظهار القوة تارة واللين تارة أخرى والتهديد والوعيد حينا والخداع والتضليل أحيانا في محاولاته المستميتة لمنع أولئك الذين يستخدمهم وقودا في حروبه المُسخّرة لخدمة سيطرة نظام مافيا الملالي الأشد تخلفا في طهران، وأولئك الذين يستخدمهم في تعزيز سطوته في لبنان، وكذلك الذين يواصلون نشر الأضاليل والأكاذيب التي تخدم كل ذلك، لمنعهم من الخروج من تحت عباءته مهما كانت الظروف وتبدلت الأحوال ومهما ارتكب هو وحزبه وميليشياه وشبيحته من خطايا وجرائم تضعهم وجها لوجه أمام الحقيقة الصادمة.

لقد تعب الناس من هذه المسلسلة الرديئة المتهافتة في التضليل والخداع والرياء، بدءا بإعلانه حماية منظومة المناهبة التي أوصلت البلاد إلى الانهيار الشامل والعزلة العربية والدولية، ورفضه القاطع لإسقاطها ما أحدث صدمة في أوساط الكثيرين من مؤيديه، وخصوصا الذين سحقتهم السياسات الاقتصادية والمالية التي فرضتها هذه المنظومة على مدى عقود، مرورا بتشريع مطار رفيق الحريري الدولي أمام الرحلات الجوية القادمة إلى لبنان من البلدان الموبوءة بفايروس كورونا، وكذلك الحدود اللبنانية السورية بمعابرها الشرعية وغير الشرعية، الأمر الذي أدخل الرعب إلى “بيئة” حزب الله الشعبية التي استهدفتها تلك الرحلات بشكل خاص، كما أدخل الرعب إلى سائر المقيمين في لبنان حيث كان فرض استمرار الرحلات من إيطاليا، خصوصا، غطاء ملائما لتبرير استمرار الرحلات من إيران ما هدد بانتشار الوباء في عموم البلاد، وصولا إلى الشعرة التي قصمت ظهر البعير: إخلاء سبيل العميل الإسرائيلي، جزار معتقل الخيام، عامر الفاخوري الذي يحمل الجنسية الأميركية والمتهم بارتكاب الفظاعات بحق المقاومين والمتعاطفين مع المقاومة الوطنية من اللبنانيين زمن الاحتلال الإسرائيلي في معتقل الخيام الذي كان يشرف عليه.

حزب الله الذي يصر، كما يصر معه أتباعه وحلفاؤه، على تسمية نفسه “حزب المقاومة” وعلى تسمية “بيئته الشعبية” بيئة المقاومة، والذي أفرغ المقاومة من مضامينها الوطنية والإنسانية والتقدمية الثورية، برفع المصطلح إلى رتبة المقدّس ليتحول إلى صنم يحرّم المس به أو انتقاده، هو من وقف وراء تشكيل حكومة حسان دياب، وقبلها هو من جاء بميشال عون رئيسا للبلاد بعد تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية لسنتين ونصف السنة، وهو من كان وراء تعيين رئيس المحكمة العسكرية التي أصدرت قرارها إخلاء سبيل عامر الفاخوري.

هذه المفارقة الصادمة قادت فريق “المبرراتية” التابعين والمؤيدين لحزب الله من إعلاميين ومحللين وناشطين إلى التهافت على اجتراح أشكال متباينة ومتناقضة من التبريرات والتسويغات لرد التهم عن حزب الله في قضية تسهيل تبرئة وتهريب عامر الفاخوري بعد إخلاء سبيله، خصوصا أن أصواتا كثيرة ارتفعت من ضمن الدائرة التي طالما كانت مدافعة عن حزب الله في كل المناسبات، لتندد وتستنكر وقوف “حزب المقاومة” مكتوف الأيدي أمام هول ما حدث، موقف لا يمكن أن يصدر عن “حزب المقاومة” كما يدعي لو لم تكن هناك صفقة خفية، وبالتالي صفقة مهينة.

هكذا سارع زعيم حزب الله حسن نصرالله الجمعة ليقول كلمته التي أراد منها:

– ضبط إيقاع الأبواق الإعلامية والسياسية التي بادرت للدفاع عنه فتباينت آراؤهم إلى درجة التناقض، حتى إن بعضهم وصل إلى درجة الدفاع عن عملية إخلاء سبيل الفاخوري. وهنا حاول نصرالله ارتداء ثور الحملان ليظهر عدم مسؤوليته ومسؤولية حزبه في هذه القضية.

– التلويح بمواجهة قاسية مع “الأصدقاء” المشككين بـ”حزب المقاومة” ووضعهم على لائحة الأعداء، وفي أحسن الأحوال، على لائحة الخصوم. والأعداء عند نصرالله هم أميركا وإسرائيل، أما الخصوم فهم من ينصاع لإملاءات أميركا وإسرائيل. وهذه الاتهامات والتصنيفات الجاهزة اعتادها حزب الله واعتادها مناوئوه. ولم تعد بالتالي ذلك السلاح الذي يمكن استخدامه لضبط الشارع وتدجين “البيئة”.

وبعيدا عن الذرائع والمبررات والتهديدات التي ساقها نصرالله في خطابه الأخير، هناك مجموعة وقائع لا بد من الإشارة إليها في إطار البحث عن شكل الصفقة التي نفى نصرالله علمه بها أو حتى وجودها. هذه الوقائع تبدأ بالقانون الأميركي الذي يمنع محاكمة أي مواطن أميركي خارج القضاء الأميركي والذي ساهم في تكثيف الجهود والضغوط على المسؤولين اللبنانيين ما أثمر خروج الفاخوري من لبنان، ثم تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تضمن شكر الحكومة اللبنانية على تعاونها، وليس آخرا إطلاق سراح السجين الأميركي في طهران وتبادل معتقل فرنسي مع معتقل إيراني مطلوب من أميركا.

ربما يكون انسحاب القوات الأميركية من القائم على الحدود العراقية السورية جزءا من الصفقة التي أعلن نصرالله جهله بها، وهي الصفقة التي ربما تمت بين طهران وواشنطن، مرورا ببيروت وباريس.

لم تمنع ثياب الحملان التي حاول ارتداءها حسن نصرالله من بروز الأنياب والمخالب، ولن يجرَّ حزب الله على منظومة المناهبة التي يحميها سوى الخيبة والخذلان. فالغيمة السوداء لوباء كورونا سوف تنجلي، وقد لا ينتظر اللبنانيون انقشاعها كي يستعيدوا ثورتهم بأشكال لا يتوقعها أحد.

عديد نصار – صحيفة العرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *