تحت المجهر

جبران باسيل.. بين نهايته أو نهاية لبنان

وقع جبران باسيل في محظورات ألف باء السياسية التي رسمها الصحافي جورج نقاش عام 1949، عندما أطلق معادلته: “نفيان لا يصنعان أمة” «Deux négations ne font pas une nation». فلا يمكن للبنان أن يستمر بهذين النفين، (لا للغرب ولا للتعريب)، عليه أن يختار إحداهما. فتأسس الانقسام اللبناني الذي انفجر أكثر من مرّة. جاء باسيل بفكرة دمج الفكرتين معاً، والإقلاع عنهما في الوقت ذاته، فدفع الثمن، إضعاف نفسه وتياره وبيئته فيما هو يدّعي فعل القوة. وأسهم في إضعاف القوى الأخرى وصولاً إلى تدمير الصيغة اللبنانية.

لم يشأ صهر الرئيس، الاختيار بين إحدى الفكرتين، أرادهما معاً، وضمناً يعبّر ذلك عن جشع حتّمته تناقضاته. الجشع يتناقض مع الغنى والتغنّي. يُسحق الجشعون إذ يقعون في شرور أعمالهم إثر ضرر يصيب بصيرتهم. أراد العرب بأموالهم، راهن على المشروع الإيراني وسلاحه وصواريخه التي أوصلت عمّه إلى رئاسة الجمهورية، ولم يبارحه الطموح بأن تتكرر التجربة معه. شخص بنظره إلى الغرب وحتى إلى إسرائيل متمنياً لها العيش بسلام ومعلناً عدم خلافه الأيديولوجي معها. فظن نفسه في مصباح “علاء الدين”، يُحقق له كل ما يتمنى. فأصيب بمقتل.

دفعه انعدام البصيرة إلى التوهم بالجمع بين مشاريع متناقضة، تحدّث ذات مرّة عن مشروعه للبنان بجعله سكة حديد تصل الغرب بالشرق، وفي رأسه ظنٌّ أن عقله وحده “مشروع شبكة الاتصال والتواصل” بين الكل هذه التناقضات. ليصل إلى مرتبة الخاسر الأكبر في النصف الثاني من ولاية عمّه. تناقضاته في الخيارات الخارجية، تماثلت مع تناقضات في الداخل، ادعى الطموح بتوسيع تياره ليصبح التيار، السني الثاني، والشيعي الثالث والدرزي الموازي. قاطعته المناطق من البقاع إلى طرابلس والشوف وبيروت.

صدحت حناجر اللبنانيين ضده وضد خياراته، واجه المشكلة في قلب بيئته وتياره، ثارت عليه المناطق المسيحية، أصبح عنواناً للرفض الاجتماعي والطائفي والسياسي اللبناني المتنوع. تحوّل إلى عبء على حلفائه قبل خصومه، لا يخجل الحلفاء الذين يستند على قوتهم من البوح بأنهم أحالوه جانباً، وهو صاحب القوة المصطنعة التي تستمد قوتها من القوة الحقيقية، وعندما أريد لذلك الإصطناع أن يحال إلى الهامش، تهمّش “الرجل الطموح” وتهشّمت صورته شعبياً وخارجياً.

أصحاب القوة المصطنعة، لا يخدمهم الغياب عن السلطة، مشروعه كان البقاء والاستمرار تحضيراً لمعاركه المستقبلية، وهو يعود إلى التناقض من باب الجمع بين الموالاة والمعارضة. مع الاستمرار في البحث عن مخرج من المأزق، ذهب إلى أقاصي الأرض، بعد ثورة 17 تشرين، باحثاً عن شركات إعلانية واستشارية في مجال الإعلام وتحسين الصورة السياسية للتعاقد على إعداد برامج تعيد إليه بريقه داخل شارعه. بحسب الاستطلاعات التي قامت بها إحدى الشركات الأميركية، تراجعت شعبية باسيل في بيئته وبين أنصاره بنسبة 50 بالمئة.

دخل مع سعد الحريري إلى التسوية الرئاسية قويين، فخرجا أكبر الخاسرين، النقاش حالياً يتجاوز حالتيهما التي أسهمت في إضعاف طائفتيهما. سقطت مفاعيل معادلة الرئيس القوي أو الأقوياء في طوائفهم بعد تجربة مريرة منذ العام 2016، لم تنتج إلا تعطيلاً للبنان ومؤسساته، وسوءاً في إدارة علاقاته الخارجية، وخطراً على لبنان بصيغته وتكوينه، باعتماد سياسية استفزازية تستنفر عموم الجماعات والأحزاب، وكادت في أكثر من محطة أن تؤدي إلى معارك أهلية. باسيل يشكّل خطراً على المسيحيين بوجودهم وكيانيتهم، كما شكل سعد الحريري وأداؤه خطراً على السنّة ودورهم السياسي وتأثيرهم في المعادلة الوطنية.

لا يمكن لجبران باسيل أن يستمر في السياسة. استمراره يرتبط فقط بلعبة عصبية لا تقوم إلا على استفزاز الآخرين واستدراجهم إلى معارك تضرب الاستقرار اللبناني، الذي يمثّل أهمية دولية وإقليمية. لا يمكن لباسيل أن يستمر إلا إذا ما توفرت له رعاية إقليمية ودولية تجتمع على فكرة وحيدة هي “تخريب لبنان”، إغراقه في حروب طائفية ومذهبية لا تنتهي إلا بانتهاء صيغته والذهاب إلى كيانات وكانتونات كما حصل في سوريا والعراق.

المصدر: خالد البواب – اساس ميديا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *