تطويعاً للمسيحيين وتعويماً للعهد: العودة إلى لعبة “الأمن”

في كل معركة أمنية أو عسكرية، يكسب حزب الله ويخسر الآخرون. وفي أي صراع أيديولوجي يربح الحزب إياه أيضاً وينكفئ الآخرون ويتشتتون.

حزب الانتصارات
هذا ما يحدث في لبنان منذ العام 2005 حتى اليوم. وظل حزب الله على موقفه وثوابته السياسية والأيديولوجية، بينما تراجع الآخرون عشرات المرات، دخلوا في بازارات ومبارزات، باعوا واشتروا، عارضوه وهادنوه وسالموه وناغموه، وتشتتوا أيدي سبأ، وبقي على ثباته وسطوته. ظهر قوياً في مواجهة ضعفاء، أو كَسَبَة تتجاذبهم صراعات مصالحهم الصغيرة المستفحلة.

صحيح أن معارضي حزب الله تعرضوا للترويع والاغتيالات طوال سنين، لكنهم أضاعوا فرصاً كثيرة أتيحت لهم في مواجهته لإرساء توازن ما معه، فلم يفعلوا وفشلوا، وأخيراً استسلموا.

كل ما فعله حزب الله، ومنها حروبه الخارجية، واستقواؤه الداخلي، أوصلته إلى تحكّمه بالوضع السياسي كاملاً ومكتملاً في لبنان. فأصبح صاحب الكلمة الفصل في تشكيل الحكومات، وانتخاب رئيس الجمهورية، بعد رئاسة المجلس النيابي.

استند إلى معاركه الحربية الخارجية، فكرسها انتصارات سياسية داخلية وإقليمية. لذا سعت القوى السياسية المعارضة له في خطب ودّه أو ربط النزاع معه، بحثاً عن دور وحضور لها، أو حرصاً منها على عدم الغياب عن المشهد.

وهن بعض المعارضين وضعفهم، دفعهم إلى الخروج من المشهد في ظل حكومة حسان دياب، فيما مضى حزب الانتصارات قدماً، بكل تصميم وبلا مهادنة.

لبنان هيكلاً عظمياً
ولكن هذا المسار الانتصاري الذي سلكه حزب الله، ومن خلفه حليفه الأساسي التيار العوني، بطمعه المستفحل في السيطرة على لبنان ومقدراته ومرافقه ومؤسساته وقطاعاته المنتجة، بلغ ذروته ومنتهاه اليوم.

وذلك على قاعدة مكرسة بين الحليفين المسيحي والشيعي: لحزب الله السياسة الخارجية والمعارك العسكرية في بقاع الأرض كلها، مقابل تركه التفاصيل الداخلية لميشال عون وجبران باسيل.

وها الحليفان اللذان سيطرا على الدولة اللبنانية، ينتبهان أخيراً أنهما لم يسيطروا إلا على هيكل عظمي مشرف على التفكك، فيها هما يمسكانه من عنقه، وقد تتناثر قريباً عظامه.

سيطر حزب الله وصنيعته جبران باسيل على الحكومة ورئاستها، فانعدم وجود الحكومة. أما رئاسة الجمهورية في عهد ميشال عون، فتحولت من الموقع الأول في مؤسسات الدولة الدستورية، إلى المنصب الجاهز للتوريث، والهدف الأول لانتقاد اللبنانيين وغضبهم. فيما قلب عون اعتداده بالرئاسة والرئيس القويين إلى ادعائه بأنه عديم الصلاحيات والقدرة، بعد انفجار المرفأ. وهو حاول السيطرة على المصرف المركزي والقطاع المصرفي، فانهار القطاع. والأرجح أن مسار الانهيار مستمر، طالما حزب الله وحليفه العوني ينتهجان النهج نفسه.

وبعد ما حدث كله، وصولاً إلى كارثة بيروت، وصل الحليفان إلى نتيجة وحيدة: أمسكا كيساً خلا تماماً من الذهب الذي كان فيه، وها هما يخسران الكيس الفارغ الممزّق يبن أيديهم. لكن لا يسعهم سوى الاستمرار بالتشبث به متوهمين أنه منجم ذهب.

تصلّب عون – باسل
وها حزب الله يخسر سياسياً، وتحديداً منذ تشكيل حكومة حسان دياب وتجربتها المرة. إنه يدفع اليوم ثمن انتصاراته كلها وتحالفه مع جبران باسيل. فالأزمات تفجرت بوجهه، ولم يعد قادراً على تحميل المسؤولية لخصومه الفاسدين وحدهم، وصاروا  خارج الحكم والسطة اللتين يتشبث بهما مع عون وصهره باسيل.

وحالياً سيدفع حزب الله أكثر فأكثر ثمن التصّلب العوني – الباسيلي في رفض سعد الحريري. فعندما لجأ الرئيس نبيه برّي إلى خيار ترشيح الحريري لرئاسة الحكومة، كان يهدف إلى تحقيق مجموعة أهداف: استعادة زمام المبادرة السياسية. عدم استقدام طارئين على الحياة السياسية. الاستثمار في ما تبقى من الحريري على صعيد الصورة التي يعكسها داخلياً وخارجياً. وهذا قد يمنح حزب الله فرصة لالتقاط انفاسه.

لكن عون – باسيل يرفضان ذلك قطعياً، ما قد يعرض حزب الله – الحريص على عدم الظهور بمظهر من يقدّم التنازلات – إلى المزيد من الضغوط والخسائر.

نهاية وهج القتال في سوريا 
صحيح أن الحزب نجح في السيطرة على لبنان سياسياً، بعد معارك عسكرية وحملات تجييش أيديولوجية تقوم على مبدأ حماية المسيحيين من الخطر الداعشي والإرهابي. لكنه سيطر على دولة فاشلة لم يعد فيها شيء، علماً أنها كانت تبيض له الذهب.

دولة وصلت أخيراً إلى حال مزرية. حتى أن أميركا تطلب إجراء تدقيقات مالية شاملة في حسابات مصرف لبنان، لمعرفة ما إذا ما كان حاكم المصرف المركزي يعمل على توفير صيغ مالية التفافية على العقوبات، ليتمكن حزب الله من الحصول على الأموال.

لم يتغيّر المنهج ولا المسار، فحسب. لا بل انقلبت الأمور رأساً على عقب، وخصوصاً لدى البطريرك الماروني بشارة الراعي. وها عموم المسيحيين يصرخون في وجه حزب الله، فيما التيار العوني يتراجع وصار أنصاره يخجلون من الدفاع عنه، بسبب مواقفه وعدم قدرته على إنجاز أي شيئ.

ووهج قتال حزب الله في سوريا بدأ يتبدد، بعدما لمع كثيراً في عيون المسيحيين وتفكيرهم، فتوهموه منقذاً وحامياً ومخلّصاً، فإذا الكارثة تحل بهم في بيروت.

العودة إلى الأمن والحرب
ومع مزيد الضغوط الدولية والإقليمية، إلى جانب الوضع الاقتصادي الصعب والمستمر في انهياره، ليس من سبيل أمام حزب الله لمواجهة الوضع المزري في لبنان سوى العودة إلى تجارب قديمة، لاستعادة اعتباره وتحكمه بمسار الأمور: الأمن والعسكر، ميدانه الرابح دوماً. سواء ضد العدو الإسرائيلي بإسقاطه طائرة مسيرة قبل أيام، أو من خلال العودة إلى سياسات الإرهابيين ومواجهتهم.

وبعد جريمة كفتون في الكورة، يطل برأسه سيناريو أصبح واضح المعالم وأسلوبه معروف ومجرّب: استخدام سيارة غامضة لإرهاب الأهالي وتنفيذ عمليات إجرامية. وترك السيارة إلى جانب الطريق وفي داخلها علامات كثيرة تدل على… وبقية القصة معروفة: داعش.

منير الربيع _ المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جعجع يُسقط قناع “التيار”

بعد أن دأب التيار الوطني الحر بشخص رئيسه وقيادييه على اعتماد خطابات جامعة تدعو للتوافق ...