تحت المجهر

تشريح الودائع في لبنان: حالة 70 مليار دولار ضائعة!

لفتني تقريرا” بحثيا” كان قد صدر الأسبوع الفائت من بلوم بنك انفيست، وبصراحة، تعجبّت بان الرقابة الداخلية مررته لما ينطوي عليه من شفافية ومعلومات .معظم ما يدّعون بانها تقارير اقتصادية محلية هي أشبه بالشعر (الرديء) ، بدلاً من تقديم معلومات ذكية قابلة للتنفيذ.

أحد هذه التقارير الصادرة عن احد البنوك منذ فترة وجيزة بموضوع  العقارات يقرأ حرفيا“:

ان الأسعار في لبنان مثل السلالم

تصعد،

ثم تستقر لبعض الوقت،

ثم ترتفع مرة أخرى،

ولكن لا تسقط.

يا سلام! ولو كتب هذا البيان السخيف على نغم البحر الطويل، لأصبح بيت شعر، وعدا ذلك فليس له اَي وظيفة مفيدة.

بالطبع ، بما أن جميع السلالم تنتهي في الجزء العلوي من المبنى، فكان من الأجدى لو أشار المؤلف إلى أغنية ليد زيبلين، سلالم إلى السماء.

لذلك، فان ابتعاد تقرير بلوم بنك انفيست عن الإبتذال و السفاهة بمقاربة الأمور المالية الإقتصادية في البلد ومخالفته التيار الرائج بتجميل الأمور او اخفاء المعلومات وقمع الحقيقة نجح بادهاشي لندرته.

بالموضوع، اشار  التقرير المذكور الى ان ميزان المدفوعات من عام 2006 إلى 2010 كان أكثر بقليل من 19 مليار دولار وأن ميزان المدفوعات من عام 2010 حتى تاريخه كان سلبيًا بمعدل 13 مليار دولار. ويعرّف ميزان المدفوعات بالمبلغ الصافي للدولار الأمريكي الذي دخل (أو خرج) من البلاد.

وبتعبير آخر واكثر بساطة، فقد زادت الودائع في “الأموال الحقيقية” بمقدار  6 مليارات دولار فقط في السنوات الاثني عشر الماضية (19 مليار دولار ناقص 13 مليار دولار). سنأتي على تعريف ما نعنيه بـ “المال الحقيقي” في فقرة لاحقة.

وعلى الرغم من ارتفاع أسعار الفائدة الى مستويات فلكية ، ومعاملات الهندسة المالية المتزايدة، وتحويلات المغتربين المتعددة من الخارج، فقد تم سحب 13 مليار دولار من البلاد في السنوات الثماني الماضية. ومع ذلك ، لا زلنا نسمع بشكل يومي عن الكمية الهائلة من الودائع التي بحوزة المصارف والتي يقدّرونها بمبلغ 175 مليار دولار  والتي يدّعون انها لا تكف عن التصاعد.

لذلك قررت العودة الى بيانات العام 2006 وقد تبين لي أنه كان لدينا أقل من 60 مليار دولار في ذاك الحين.

فالنضع جانبا” الجزء المكون بالليرة من الودائع، لأن البنك المركزي يستطيع طباعته بقدر ما يشاء.من جهة اخرى، مقابل كل دولار يتم سحبه نقدًا أو يتم تحويله إلى الخارج، علينا إما استخدام أموالنا الحقيقية أو مطالبة الرئيس ترامب بإرسالها ، والارجح أنه لن يستجيب.

في عام 2006 ، بلغت نسبة الودائع بالدولار الأمريكي ما يقارب ال75%، أي مبلغ 45 مليار دولار.

اليوم ، حوالي ثلثي الودائع المزعومة، اي ال 175مليار، هي بعملة الدولار الأمريكي ، أو حوالي 120مليار دولار.

على الرغم من أنني لا أحمل درجة الدكتوراه في الفيزياء النووية، إلا أن الحسابات بدائية. فإذا كان ميزان المدفوعات الصافي من 2006 حتى اليوم يظهر زيادة قدرها 6 مليار دولار (19 مليار ناقص13 مليار)، فإن هذا يعني أن مجموع الدولارات الحقيقية هي الآن في أحسن الأحوال 50 مليار دولار.

يبقى السؤال الذي يطرح نفسه، كيف احتسبنا قيمة الودائع الحالية بالدولار الأمريكي لنقدرها بمبلغ 120 مليار دولار ؟

بالواقع، يعود جزء كبير من هذا المبلغ للفائدة المدفوعة على حسابات الإيداع. لنأخذ متوسط معدل الفائدة السنوي ​​على الودائع بالدولار بنسبة5 ٪ من عام 2006 حتى الآن. وعلى مدار فترة زمنية مدتها اثني عشر عامًا، فإن هذا يعني أن 45مليار دولار قد بلغت على الأقصى 81 مليار دولار  (حتى لو افترضنا عدم تسييل أي فائدة للمودعين، الأمر  المستبعد). واذا اضفنا مبلغ ال 6مليارات دولار  الزائد على ميزان المدفوعات، تصبح قيمة الودائع الحالية 87 مليار دولار.

لكن انتظر لحظة. لا يزال هناك نمو في الإيداعات يتجاوز 30 مليار دولار يتطلب البحث عن مصدره. لا يمكن تفسير ذلك إلا بأمرين: الإيداعات النقدية (مع غمزة و”فهمكم كفاية” ) أو تأثير مضاعف النقود.

فالنتأمل الاحتمال الأول. في حين لا يوجد شك في أن بعض النقود غير المشروعة تدخل (أو كانت تدخل في الماضي) إلى البلد ، وتنتهي على شكل ايداعات في البنوك، يبقى ان مبلغ هذه النقود محدودا” لوجيستيا“. 75٪ من اوراق الدولار المنتشرة في جميع أنحاء العالم هي اصدار فئة الماية دولار، واجمالي اصدار الفئة المذكورة في العالم (باستثناء الولايات المتحدة) يبلغ 600 مليار دولار. بالتالي، فإنه من المستبعد أن يحتوي نظامنا المصرفي على 5 ٪ من أموال العالم. بكل الأحوال، فان احتوائنا على قدر اكبر  ليس بالأمر المستحسن (إذا كنت تعرف ما أعنيه)، حيث أنني أفضل أن أعتقد أن نظامنا المصرفي يعتمد اجراءات تعرف على الزيائن ومكافحة تبييض الاموال رصينة ومتشددة.

فالنبحث عن تفسير آخر اكثر واقعيا” وتقنيا”: تأثير مضاعف النقود.

دعونا نأخذ مثالا من وحي الواقع لتوضيح ذلك.لنفترض ان فتاة لبنانية ، باميلا ، تعمل في دبي في بيع أحذية الباليه وتقوم بتحويل اربحاها السنوية البالغة 100000 دولار  إلى بنك في لبنان. وهذا من شأنه أن يزيد على الفور حجم الودائع في المصارف بمقدار 100000 دولار.  

ولنفترض ان هذا البنك منح عميلا” آخر ، نديم، قرضا بقيمة 100000 دولار (لا يستقيم هذا المثل من حيث الشكليات، بحيث أن الأحكام المصرفية تفرض اقراض اقل بسبب متطلبات الاحتياطي) ، لكن لنضع ذلك جانبا” لتبسيط فهم المثال. قام نديم بشراء سيارة بي إم دبليو وسدّد للتاجر مبلغ 100000 دولار ، ثم قام هذا الأخير بإيداع ثمن السيارة في المصرف المعتمد منه.  عملية الإقراض والشراء هذه زادت من إجمالي الودائع المصرفية بمقدار 200000 دولار.

الآن فالنفترض ان تاجرا” اشترى المبنى المجاور من سمير ، من خلال أخذ قرض مدعوم بقيمة ثلاثماية الف دولار وسحب من البنك مائة الف اضافية لتسديد الثمن كاملا” لسمير الذي اودعهم بدوره في مصرفه. إذا أخذنا لقطة فوتوغرافية للودائع في هذه اللحظة، فإن هذا سيظهر أن ودائع القطاع المصرفي قد زادت من خلال عمليات الإقراض والشراء المذكورة بمقدار خمسماية الف دولار. ولكن كم من هذه الزيادة تشكل فعلا”، “المال الحقيقي” ، أي الأموال التي يمكنك سحبها حرفيا ولمسها وتحريكها؟ الإجابة هي مئة الف دولار فقط التي نقلتها باميلا من دبي. أما الـ 400،000 دولار الأخرى فهي مجرد إدخالات محاسبية في أجهزة الكمبيوتر الخاصة بالبنوك ولا تمثل دخول أي دولارات حقيقية جديدة الى البلاد.

لا يوجد في الواقع شيء خاطئ في كل هذا – جميع الاقتصادات الحديثة تستخدم تأثير مضاعف النقود – والفرق الوحيد هو أننا هنا في لبنان، نستخدم عملة دولة أخرى، والتي لا يمكننا التحكم فيها او خلقها.

بالعودة إلى الوضع الإجمالي، وبافتراض أن الودائع التي بلغت 45 مليار دولار في عام 2006 كانت جميعها “حقيقية” (وهو أمر غير مرجح) ، وبعد احتساب الزيادة البالغة 6 مليارات دولار في ميزان المدفوعات مؤخرا”، فذلك يعني أن القطاع المصرفي بأكمله يحتوي على مبلغ  51 مليار دولار فقط “بالمال الحقيقي” اليوم. اما الباقي، الفائدة والتأثير المضاعف ، هي مجرد ادراجات حسابية افتراضية على شاشة الكمبيوتر وغير متاحة للسحب النقدي.

أخيرا”، سأعطي مثلا” لتوضيح الفرق بين المال الحقيقي والظاهري بطريقة مبسّطة. لنفترض أن زينة قد عادت للتو من رحلة عمل إلى منغوليا، وجلبت معها مئة طوغري منغولي (عملة منغوليا) فاودعتها في البنك بفائدة 100%. بعد مرور عام، تلقّت زينه كشفا” مصرفيا يشير الى امتلاكها 200 طوغري بعد احتساب الفائدة على الإيداع الأصلي. ولنفترض الان انه لم تقع اي ايداعات مصرفية بالعملة نفسها من اي شخص ثالث خلال السنة الفائتة، وقررت زينه  سحب رصيد حسابها، فيكون المبلغ الوحيد المتاح لزينه للسحب هو المال الحقيقي المودع اصلا” في المصرف اي مبلغ ال100 طوغري.  غير ان زينه قد لا تكتشف ذلك في حال قرّرت تجميد المبلغ لسنة اضافية بحيث يصبح هذا المبلغ 400 طوغري، واذا ما قررت ايداع المبالغ المتراكمة لمدة 15 عاما في بنك “ثق بنا” فسيكون رصيدها 3.2 مليون طوغري منغولي وسيكون المبلغ نظريا بحتا” مما سيمكنها من التقاعد  مليونيرة في العاصمة، الاونباتار، في منغوليا … او هكذا هي تعتقد.

نشر هذا المقال اولا” على موقع en. annahar.com بالإنجليزية. وقد قام موقع Banking Files بترجمته باشراف وموافقة الكاتب نظرا للاهمية.

دان قزي – مصرفي متقاعد. شغل سابقا منصب الرئيس التنفيذي لبنك ستاندرد تشارترد لبنان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق