تركيا والتحديات الاقتصادية الجديدة (بقلم شادي الياس)

في المرحلة الاخيرة شهدت تركيا تراجع ملحوظ في الليرة التركية, ما يلفت الانظار ويستدعي تساؤلات عديدة منها, ما هي خلفيات هذا الانهيار, ولماذا تركيا مستهدفة على الساحة الدولية, وتراجع دور تركيا اقتصادياً كيف يؤثر عملياً على موازين القوى ؟

يمكن بالبداية عرض الشرارة الاولى التي اشعلت الوضع الاقتصادي الداخلي, فقد تم اعتقال قس الأمريكي اسمه أندرو برانسون بتهمة الإرهاب والتجسس, ما جعل الولايات المتحدة ان تبادر بالرد عبر فرض عقوبات بحق وزيري الداخلية والعدل في تركيا، معلنة مصادرة ممتلكاتهما ومنع التعامل معهما. (1)

ان الاقتصاد التركي معرّضٌ للانهيار نعم، فهو يمر بالفعل في مرحلة ضعف حتى قبل فرض العقوبات, لأن التراجع قبل العقوبات كان بنسبة 6% (2)

ربما قد تضعف هذه العقوبات الاقتصاد التركي، إلا أنها من غير المحتمل أن تشكل تهديداً لنفوذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لأنه نجح بالسيطرة على الانقلاب الذي حدث في 15 تموز عام 2016 (3)

فقد أدى هذا الانقلاب الذي وقع إلى تغيير السياسة التركية بشكل لا رجعة فيه,و صحيح ان الاوضاع التركية اصبحت ممتازة بعد تسلم الرئيس اردوغان الحكم عام 2002 في تحقيق النمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة. وهذا هو الجانب المشرق لأردوغان. فعندما جاء «حزب العدالة والتنمية» الذي ينتمي إليه أردوغان إلى السلطة في عام 2002،فقد كانت تركيا دولة معظمها من الفقراء. إلّا أنها الآن بلد معظم مواطنيه من ذوي الدخل المتوسط ​​. فقد تحسنت الحياة في جميع أنحاء البلاد، ويتمتع المواطنون ببنية تحتية وخدمات أفضل بشكل عام. في عام 2002، كان معدل وفيات الأمهات في تركيا مشابهاً إلى حد ما لنظيره في سوريا ما قبل الحرب؛ والآن هو قريب من المعدل في اسبانيا. بعبارة أخرى، اعتاد الأتراك العيش كالسوريين، بينما يعيشون الآن كالأسبان. وهذا هو السبب في استمرار تمتع أردوغان بشعبية كبيرة وفوزه بالانتخابات، وفي المستقبل إذا استمرت تركيا في النمو، فسوف تستمر قاعدة أردوغان في دعمه, فتركيا تركيا تحتل موقعاً مهم جغرافياً وأيديولوجياً.

لكن في باطن الوضع التركي هناك ازمة لم تخرج للنور, فهي كالجمر تحت الرماد, مع محاولة أردوغان تصوير نفسه الآن كضحية الا ان الكثير من العوامل تعاكس اتجاه سياسة اردوغان, ابرز هذه العوامل هي المتعاطفين مع انقلاب 15 تموز, والاكراد, والذين يعتقدون ان النتخابات التركية الاخيرة كانت مزورة, وهجمات تنظيم الدولة الإسلامية المتكررة.

في نهاية المطاف طابع السيطرة واحتكار السلطة امام المعارضين والاعداء داخل الدولة التركية قد يعزز أزمة البلاد مع هذه التهديدات الاقتصادية و يؤجج نارها ، فمن المحتمل أن تقذف تركيا إلى آتون حرب أهلية خطيرة. وفي ظل هذا السيناريو، سيتمّ ذكر أردوغان باعتباره السبب في انهيار تركيا الحديثة . اما مناصرو أردوغان يقعتقدون أن تركيا لا تستطيع الوفاء بمهمتها التاريخية المتمثلة بتحقيق عظمة تركيا واسترجاع كرامة الأمة الإسلامية في العالم بدون أردوغان. ولذلك إذا عانى الاقتصاد التركي من تفكك بسبب العقوبات الأمريكية، فلا يجدر التوقع بأن يضعف أردوغان على الساحة الداخلية، بل من المرجح أن يشتدّ التفاف مناصريه حوله والتعاطف معه وحمايته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ديفيد شنكر: أميركا تعمل على تأمين حياد لبنان… و«حزب الله» لا يهمه الإصلاح بل الدفاع عن إيران

الشرق الأوسط _ هدى الحسيني رأى ديفيد شنكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، ...