بين المثقف والسياسي- بقلم عمر سعيد

بين المثقف والسياسي

بين المثقف والسياسي فراغ قد يشكل منزلقا قاتلا للمثقّف الذي يعمل في السياسة- على اعتبار أن السياسي لا يهتم بالثقافة- إن لم يشغله بالاتزان في التعاطي مع المعتقد، بأسلوب يمكنه من توظيف كل ثقافته، لمنع نفسه من كافة الانزلاقات قليلها وكثيرها.
وهنا يظهر الفرق بين المثقف السياسي وبين السياسي المثقف، لضرورة الأولويات في عمله.
فالمثقف السياسي يعمل بكليته خدمة للثقافة، على اعتبار أنها أولوية في مسيرته، وهو لم يكن سياسيًا إلا لأن الثقافة فرضته على السياسة، وليس العكس.
فيما يعمل السياسي المثقف على تسييس الثقافة خدمة لمشروعه الذي لم يتثقف إلا به ولأجله.
ولنتخذ من غسان سلامة نموذجًا للمثقف السياسي، ذلك الذي كان لا بد لثقافته أن تدلل عليه، فيتم توزيره لأجل ما شكلته فيه من محتوى، جعله يتميز عالميًا.
كذلك عرفت الساحة العربية الكثير الكثير من الأسماء التي جعلت للثقافة أولوياتها على أي عمل سياسي. أمثال نزار قباني، غازي القصيبي، المنصف المرزوقي، ووزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف.
ولن نطرح نموذجًا معاكسًا لأن الساحة السياسية تغص بالسياسيين المثقفين.

حضرت قبل أيام لقاء عقد عبر منصة زووم مع نائب رئيس الحكومة اللبنانية السابق غسان حاصباني.
لفت انتباهي مقدار الإيجابية التي فرضها الوزير حاصباني على اللقاء من أوله حتى نهايته.

وبتقديري ليس مرد هذه الإيجابية إلا لحجم الثقافة الذي صقل شخصية حاصباني.
فالثقافة التي لا تصنع شخصًا إيجابيًا؛ هي بالتأكيد جهد مهدور.
لم يترك إجابة على سؤال أو مداخلة إلا وقد اتخذ منها محطة للتأكيد على الإيجابية وأهميتها في بلوغ الأهداف، على الرغم من أنه كان يتحدث في السياسة، وبلغة بسيطة، واضحة، رصينه، غير أنه ولكونه مثقف قبل أن يكون سياسيًا، وظف كل كلمة وعبارة وإجابة لصالح الإيجابية، وبمفعول رجعي هو الوعي الثقافي المنتج.

والوعي الثقافي أوله تراكمات ضخمة من قراءات كتب، ومنتصفه نتائج تمكن المثقف من ربط خلاصات ما قرأ تفكيرًا وسلوكًا، وختامه رؤيا تؤثر وتخترق، وتؤسس لمسارات إنسانية.

وأعظم الساسة هم أولئك الذين لبسوا تاج الثقافة والفكر فوق تيجان المناصب، فكانوا على مستوى الفكر البشري تنويرًا وفعلًا.
عمر سعيد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شوق البيوت- بقلم عمر سعيد

  شوق البيوت ودّعتُ أهلي، والرحيلُ مساءَ وأضأتُ روحي، كي ترى الأحياءّ ووقفتُ في بابِ ...