بين الصوت والكلمة/ بقلم عمر سعيد

بين الصّوت والكلمة

من موّال راعي يتعالى على سفح جبل، إلى زغرودة امرأة تتدحرج فوق لسانها في فرح، يظلّ الصّوت البشري أعظم إبداعات الكون وأشدها دهشة وإمتاعًا.
أربعة حبال صوتيّة في عنق الإنسان، اثنان يحدثان النّطق، واثنان صامتان.
أربعة أحبال تنتج ما لا يتسع له هذا الكون بأكمله من لغات وجمال ومشاعر وانفعالات ومعان وإبداع.
ليقول بشار بن برد بصوته الّذي يصف صوتًا سمعه:
“يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحيانا”
لندرك في هذا البيت معنى أن تكون أذن بشار عينه الّتي يرى بها الجمال المسكوب صوتّا.
فالصّوت هنا نافذة كيان على كيان.
يحدّد من خلاله بواعث الحبّ، ومفاتن الأنوثة، ودوافع الإنجذاب.

وحسب رأي سقراط الإنسان لا يكون بغير الكلام، والمقصود به الصّوت، فيقول:
“تكلّم حتّى أراك” ليحدّد بعبارته هذه شروط حضور الآخر فيه.

وتران صوتيّان يترجمان البكاء والضّحك، والغضب والانفعال والحبّ والكراهيّة والمقاصد والرغاب والآمال والأماني والألم.
يقلّدان. يواريان المتحدّث الحقيقي، ويفضحانه. يريحان المتكلّم والمتلقي، يغيّران المعنى، ويثبّتانه، يؤوّلان، يجرّدان، ينقصان ويتمّمان، يباركان ويلعنان، يؤمنان ويلحدان، يبسّطان ويعقّدان. يطمئنان، ويخيفان. يثيران، ويهدّئان. يجذبان وينفّران، يحرّكان ويسكّنان، يأمران وينهيان وينفيان.
فأيّهما يا ترى أسبق؟! الصّوت أم الكلمة!
وما الكلمة بلا صوت؟! وما أعجز الكلمات أمام الصّوت!
فما المشاعر والإنفعالات بلا صوت؟!
ما الحبّ، ما الحزن، ما الغضب، ما الشّوق، ما الجنس، ما اللذة، ما اللغة، وما الحياة بلا صوت؟!
لم يبق في ذاكرتي من أمّي إلّا صوتها.
كنّت عند حافة القبر أثناء دفن أختي ربيعة في قبر أمّي.
كانت عظام أمّي سوداء، عند جانب القبر تؤكّد فناءها.
وحده صوتها كان يتردّد في رأسي.
عندما انقطعت ربيعة عن الكلام أيقنت أنها قد بلغت الموت.
غيّبها غياب صوتها وموت لغتها في مجالسنا، رغم حضورها الجسدي.
كنّا نراها، تتابعنا بعيونها بملامح وجهها الحزينة، بإشارة من يدها، بصمتها!
وحدها آه الألم كانت تعيدها إلى أعماقنا.

فالصّوت هو التّعبير عن المقدّس، وهكذا عرّفته ساميا ساندري في كتابها “الصّوت بوّابة الكون”
وقد ورد في سورة الأعراف الآية ٢٠٤:
” وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلّكم تُرحمون ”
إنّ تعليل حاجة الجسد للسّمع والأذنين، مردّه إلى وجود حبلين صوتيّين، فالكائن يحدد احتياجاته.
والصّوت بوابة السّماء إلى الأرض. به حدّدنا مواقيت دخولنا إليها. والصّوت هويّة المرىء وترجمانه الأوضح. بالصّوت نضبط المسافات بيننا، وبه نحدّد الخصوصيّات، والعاميّات.

منذ ملايين السّنوات وإلى اليوم، لا زال الصّوت هو دليل الإنسان إلى الإنسان والأقوام والأجيال، ورابطه بالماضي والمستقبل.

وتحدّد قيمة الصّوت استجابات الآخر تجاه رسائلنا.
وبالصّوت نقنع أنفسنا والآخر بأن الحياة تقع بين قول واستماع، وسؤال وجواب.
عمر سعيد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تَفاقُماتُ بَحّار – الشاعر العراقي أجود مجبل

( تَفاقُماتُ بَحّار) سأفتحُ البابَ للأشجارِ مُحتفِلًا وأُقنعُ الشمسَ كي ترتاحَ في الظلِّ فالوقتُ أرصفةٌ ...