برعاية إيرانية .. الفساد يغرّق العراق في أزمات اقتصادية كبيرة

وفقا لصحيفة ”نيويورك تايمز“ الأمريكية، تهدد الأزمة المالية بزعزعة استقرار الحكومة، والتي أطيح بها قبل عام بعد احتجاجات حاشدة على الفساد والبطالة، وإشعال فتيل القتال بين الجماعات المسلحة، وزيادة نفوذ إيران، جارة العراق ومنافسها منذ فترة طويلة.

وضع كارثي

وانتهزت إيران في الماضي الفرصة التي أتاحها ضعف الحكومة المركزية العراقية، لتعزيز سلطتها السياسية ودور الجماعات شبه العسكرية الموالية لها داخل العراق.

ومع تأثر اقتصاد العراق بالوباء وتراجع أسعار النفط والغاز التي تمثل 90% من عائدات الحكومة، لم يتمكن العراق من دفع رواتب العاملين الحكوميين لشهور في العام الماضي.

وفي الشهر الماضي، خفض العراق قيمة الدينار، للمرة الأولى منذ عقود؛ ما رفع أسعار كل السلع تقريبا في بلد يعتمد بقدر كبير على الاستيراد.

وفي الأسبوع الماضي، قطعت إيران إمدادات العراق من الكهرباء والغاز الطبيعي، بسبب عدم دفع مديونية البلاد، تاركة أجزاء كبيرة من البلاد في الظلام لساعات كل يوم.

وقال أحمد تاباقشالي، وهو مصرفي استثماري وزميل أقدم في معهد الدراسات الإقليمية والدولية في العراق: ”أعتقد أن الوضع مزر، فالنفقات تفوق إيرادات العراق بكثير“.

ويخشى العديد من العراقيين أنه على الرغم من نفي الحكومة العراقية، سيكون هناك المزيد من التخفيضات في سعر العملة في المستقبل

وقال خلف، الذي دخل قطاع الأعمال عندما لم يتمكن من العثور على وظيفة بشهادته في علم الاجتماع: ”الجميع يخشون الشراء أو البيع“.

وفي سوق الجملة في منطقة جميلة، بالقرب من حي مدينة الصدر المترامي الأطراف في بغداد، كان المواطن العراقي حسن الموزاني (56 عاما)، محاطا بأكوام شاهقة من أكياس الطحين غير المباعة التي يزن كل منها 50 كجم.

وذكر ”في العادة أبيع على الأقل ما بين 700 و1000 طن شهريا، ولكن منذ بدء الأزمة لم نبع سوى 170 -200 طن“.

وقال ”كرم محمد“ مدير مطعم، حضر ليسأل عن السعر الجديد للدقيق، إنه لم يكن هناك طلب كبير على مطعمه، مشيرا إلى أن المطاعم كانت خالية بسبب الوباء والأزمة المالية.

وبالقرب من سوق الشورجة، كان المواطن العراقي عمار موسى (45 عاما) أقام أشجار عيد الميلاد الاصطناعية وأكاليل الزينة لبيعها في الشارع الرئيس المزدحم لعملائه المسيحيين الأرثوذكس، والذين يحتفلون بالعيد في يناير، وذلك على الرغم من كونه خريج كلية تقنية وحاصلا على دبلوم في الميكانيكا، لعدم تمكنه من العثور على وظيفة في مجاله.

وشرح عمار أنه كان لديه متجر ولكنه أفلس بسبب الضائقة المالية، وهو الآن يقود سيارة أجرة.

وفي حين أن تخفيض قيمة العملة فاجأ معظم العراقيين، إلا أن الأزمة الاقتصادية والمالية كانت تتفاقم منذ سنوات، حيث تكلف رواتب ومعاشات القطاع العام الحكومة نحو 5 مليارات دولار شهريا، ولكن عائداتها النفطية الشهرية وصلت أخيرا إلى نحو 3.5 مليار دولار فقط، ويُسدّد العراق هذا النقص من خلال حرق احتياطياته، التي يقول بعض الاقتصاديين إنها غير كافية من الأساس.

أزمة عميقة

وخلص صندوق النقد الدولي في ديسمبر إلى أنه من المتوقع أن يكون اقتصاد البلاد انكمش بنسبة 11% في عام 2020، وحث العراق على تحسين نظام الحوكمة والحد من الفساد.

وعلى مدى 18 عاما، كان العراق يستخدم عائدات النفط لدعم نظام تكسب فيه الحكومة الدعم من خلال منح الوزارات للفصائل السياسية، والتي تُمنح حرية مطلقة تقريبا لخلق فرص العمل؛ ما أدى إلى تضاعف حجم الخدمة المدنية في العراق 3 مرات منذ عام 2004، ويقدر الاقتصاديون أن أكثر من 40% من قوة العمل تعتمد على الرواتب والعقود الحكومية.

ويبدو أن الأزمة المالية قد تؤدي إلى كبح جماح نظام المحسوبية الذي يعج بالفساد، وقال السيد تاباقشالي في اتصال هاتفي من لندن: ”لقد تمكنت كل حكومة من شراء المزيد والمزيد من الولاء، ولكن ذلك قد انتهى الآن“.

إذ لم يترك ارتفاع الرواتب العامة ما يكفي للإنفاق على البنية التحتية، كما تضرر الاقتصاد العراقي بوباء الفيروس التاجي، وفقد العديد من العاملين في القطاع الخاص الضعيف أصلا وظائفهم.

وقال تاباقشالي وغيره من الاقتصاديين إن تخفيض قيمة العملة خطوة صعبة ولكنها ضرورية لمساعدة الشركات العراقية، ومع ارتفاع تكلفة الواردات، يمكن أن تتنافس السلع العراقية مثل: المنتجات الزراعية بسهولة أكبر في السوق.

هذا وزادت العقوبات الأمريكية من عجز العراق، حيث لا يُسمح للعراق بتحويل الأموال إلى إيران لدفع تكاليف الكهرباء والغاز الطبيعي، ولذلك ترسل الأغذية والأدوية مقابل الغاز الطبيعي والكهرباء، وتقول إيران إنها مدينة بما يعادل أكثر من 5 مليارات دولار.

وقال عبد الحسين العنبكي المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي: ”العراق لا يستطيع تسديد كل الديون لإيران، وإيران تواجه -أيضا- أزمة اقتصادية ولا يمكننا شراء الغاز دون أن ندفع“.

وقال مسؤولون عراقيون إن جزءا من ديون العراق نشأ بسبب عجزه عن الدفع، ولكن هناك جزءا كبيرا، نحو 3 مليارات دولار، لا تزال مجمدة في أحد البنوك العراقية، بينما يكافح العراق للامتثال للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

ووضعت العقوبات، التي تهدف إلى إجبار إيران على قبول قيود أشد على برنامجها النووي والحد من دعمها للميليشيات الأجنبية، نظامها المصرفي على القائمة السوداء.

وقال فرهاد علاء الدين رئيس المجلس الاستشاري العراقي، وهو معهد للأبحاث السياسية: ”الوضع صعب على العراقيين لأن آلية دفعهم مقيدة لأن الأمريكيين يراقبون الوضع عن كثب“.

وبين علاء الدين وآخرون أن الأزمة المالية يمكن أن تؤدي إلى تجدد الاحتجاجات والصراعات بين الجماعات المسلحة للسيطرة على موارد العراق المتضائلة.

الفساد

ويسلط عجز العراق، أحد أكبر منتجي النفط في العالم، عن تزويد مواطنيه بالكهرباء المنتظمة، الضوء على الفساد الذي أدى إلى احتجاجات ضد الحكومة في العام الماضي، وإسقاط الحكومة السابقة.

وعانت البنية التحتية للطاقة في العراق من ثلاث حروب مدمرة منذ الثمانينيات، دمرت المصافي ومحطات توليد الكهرباء، ولكن منذ أن أطاح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق بصدام حسين في عام 2003، منع الفساد وعدم الكفاءة الحكومة العراقية من ترميم شبكة الكهرباء بالكامل.

وعلى الرغم من أن العراق مليء بالنفط، تعتمد معظم محطات الكهرباء على الغاز الطبيعي، وعلى الرغم من امتلاك العراق لاحتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي، إلا أنه لم يستثمر في تطويرها بسبب الفساد. ولذلك كان استيراد الكهرباء والغاز من إيران هو الحل الأسهل.

وبالنسبة لملايين العراقيين الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الكهرباء من المولدات الخاصة، كان انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع الأسعار ضربة مزدوجة.

وقالت هيفاء جادو (55 عاما)، التي جاءت إلى سوق الشورجة لشراء بذور السمسم والجوز، إنها وزوجها، وهو كفيف متقاعد، اضطرا للتأقلم مع انقطاع الكهرباء لفترات طويلة كل يوم.

وقالت: ”كنا ندفع المال لصاحب مولد كهربائي، لكننا لم نشتر الطاقة منذ 4 أشهر لأنه رفع السعر“، مشيرة إلى ارتفاع أسعار السلع مثل الجوز الذي اشترته قبل شهر مقابل نحو 3.50 دولار للرطل وأصبح الآن بـ 5 دولارات وهو شحيح.

ومن جانبها اقترحت الحكومة اتخاذ إجراءات شاملة لمحاولة تعزيز الاقتصاد، بما في ذلك زيادة الضرائب، في خطة معروضة الآن على البرلمان، ولكن العديد من السياسيين يعتمدون على احتمال زيادة أسعار النفط هذا العام لتأخير تمرير ما يقول خبراء الاقتصاد إنها إصلاحات حيوية.

وحتى يتم ذلك، من المتوقع أن تنمو البطالة مع دخول نحو 700 ألف شاب سوق العمل كل عام، ومع قلة فرص العمل، من المرجح أن ينضموا إلى ما أصبح طبقة دنيا دائمة من الفقراء والمحرومين.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ترسانة عسكرية ضخمة باتت في أيدي «طالبان»

عربات مصفحة وناقلات جند وطائرات نقل وأسراب من طائرات الإسناد البري وعشرات المروحيات أدى الانهيار ...