رأي حر

بائع الجوز والهاتف وعلبة السجائر وأقفال الحديد . (بقلم عمر سعيد)

على كتف البردوني ، في وادي العرايش في زحلة ، تناهت إلى مسامعي أصوات طرقات ناعمة ، لم يستطع خرير مياه البردون كتمها رغم رقة تلك الطرقات ..
إلتفتت إلى مصدرها ، لأرى سبعينياً ، يقابل في جلوسه صندوق جوز أخضر ، وقد أمسك حبة جوز بشماله ، وبيمينه قطعة معدنية ، يطرق بها لحاء حبة الجوز الأخضر ، كما لو أنه ينحت فوق قشرة بيضة . و في نظره دقة التركيز والإقبال على العمل .
حاذيته وجلست إلى جانبه ، اراقبه وأتبسم ، لكثرة ما رن هاتفه الذي تركه فوق قاعدة عمود الإنارة تحت ولاعة السجائر وإلى جانبه علبة الدخان ، وأقفال حديد ، ما عرفت حاجته لها إلى في نهاية لقائنا .
التفت إليّ ، وطلب مني أن اشعل له سيجارة ، وهو يقول :

  • منذ وقت طويل وهو يرن ، وأنا لا أجيب عمداً ..
    فسالته وأنا اشعل السيجارة : هل هي زوجتك ؟!
    فرفع كتفيه تعبيراً عن جهله ، وعبّ في صدره دخان سيجارته ، وقال :
  • لا شيء مهم في المقلب الآخر من الهاتف .
    ثم صمت وعاد إلى عمله ، وأنا أتأملّ اسوداد كفيه بفعل عصارة قشر الجوز ، الذي يتساقط منها داخل صندوق ورقي ، حصره بين ساقيه، ليضع كل حبة جوز يعريها في صحن بلاستيكي أبيض ، بعد أن يقلبها بين أصابعه، وقد تأملها وتفحصها ، كما لو انها تحت مجهر علمي.
    ثم تنهد ، ورمقني بالتفاتة أفصحت عن تكاليف الحياة فيه ، وعاد يقول :
  • أحب أن أتحدث إلى الناس بصوتي ووجهي وأحاسيسي وكل جسدي ، ولا أحب الحديث عبر الهاتف .. كنت أقصد مهرجانات عنجر وبعلبك لأستمع إلى فيروز والصبوحة ووديع الصافي ، لأني لا أحب سماع أصواتهم عبر الإذاعة .
    ولقد اعتادت زوجتي ألا تكلمني إذا كانت في غرفة غير التي أتواجد فيها ، ولا تراني ، لأنني ما كنت أجيبها ، فليست الأذن هي التي تسمع وحدها ، بل نحن نسمع بأعيننا أكثر مما نفعل بأذننا.
    وما كان من المهم أن اسأله عما يحصّله يومياً جراء عمله هذا ، فواقع الحال يجيب قبل أن تسأل.
    لكنه عاود الكلام وقال :
  • كان لدي محل كبير ، عملت فيه سنوات طوالا ، ولما ضاقت الظروف ، بعته واستأجرت ، وظلت الظروف تضيق وأنا أتكيف معها إلى أن صرت هنا إلى جانب هذه العربة ، والله يستر من ضيق أشد ، يجعلني أخسر حتى هذا العمل.
    وسألته عن الأقفال المعدنية ، وسر ضخامتها مقارنة بحجم العربة ومكوناتها التي هي من الخشب والزجاج !
    فأخبرني أنها آخر ما حمله معه من محله ، وحدثني عن حرصه عليها ، لأنه يتفاءل بها ، ويوثق بها العربة كل آخر ليل.
    وسألته عما يفعل بقشور الجوز ، فشرح لي أنه يجففها تحت أشعة الشمس ، ثم يطحنها ، لتصبح بعد عجنها بزيت الزيتوت علاجا للحروق والجروح والآفات الجلدية.
    ثم راح ككل لبناني ، يشكو لي سياسيي البلد ، وكيف رفض الهجرة في شبابه ، ولكنهم سرقوا منه كل شيء ، وما تركوا له إلا بياض الشعر ، وسواد الأكف ..
    أخذت منه مرطبان مربى الجوز ، ونقدته الثمن عشرة آلاف ليرة ، وغادرت وأنا أقول :
  • لولاك وأمثالك ، فأي ذاكرة كانت لنا ؟!

عمر سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: