انتخابات الجامعات: العونيّون حالة معرّضة للانقراض

يوم سقطت البلاد تحت هيمنة النظام السوري بعد اتفاق الطائف، وجرى نفي ميشال عون إلى فرنسا، عانى العونيون من التضييق الأمني، الذي أدّى إلى انحسار هامش حركتهم في المناطق خلال مرحلة التسعينات. في تلك الحقبة، كانت الحالة الشبابيّة ملاذ عون الأخير للحفاظ على حضوره السياسي داخل لبنان، وخصوصاً تلك التي تنشط داخل حرم الجامعات. ويذكر اللبنانيون جيّداً كيف تحصّن التيار العوني في تلك المرحلة تحديداً في أوساط الطلاب، لإعادة إطلاق مواجهته ضد الوجود السوري والأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة المتعاونة معه. كما يذكر الجميع صور مواجهات طلاب التيار مع قوى الأمن على بوّابات الكليّات الجامعيّة، ومشاهد ملاحقة الطلاب واعتقالهم.

اليوم، بات المشهد مختلفاً تماماً. التيار الوطني الحر، الذي تمكّن في عزّ الهيمنة السوريّة من تصدّر نتائج الانتخابات الطلابيّة في جامعات لبنان، حتّى تلك المختلطة طائفياً كالجامعة الأميركيّة في بيروت، بات على وشك الانقراض في أوساط الطلاب الجامعيين، في ظل عهد ميشال عون نفسه. فكما أظهرت الانتخابات الطلابيّة هذه السنة، اختفى التيّار تنظيمياً من الغالبيّة الساحقة من الكليات في الجامعات التي شهدت انتخابات طلابيّة، بينما احتفظ بوجود رمزي في عدد محدود جداً من الكليات. التيّار الذي كان ذات يوم تيّاراً شبابيّاً يشد عصبه الطلاب، صار اليوم بلا طلّاب.

الجامعة الأميركيّة: وداعاً للتيار

يذكر المتابعون لتاريخ الحركة الطلابيّة في جامعات لبنان، أنّ التيّار العوني لطالما احتفظ قبل العام 2005 بوجود قوي داخل الجامعة الأميركيّة في بيروت، رغم تنوّع الجسم الطلابي في الجامعة إلى حد كبير، من ناحية الطوائف والمستويات الطبقية والجنسيات. لا بل كانت خليّة التيّار في الجامعة تاريخيّاً مضرب مثل يذكره العونيون، للإشارة إلى قدرة هذه الخليّة على استقطاب الكثير من الطلاب من بيئات “غير مسيحيّة”. وهذا الوجود الوازن داخل الجامعة، سمح للتيار بالهيمنة لفترات طويلة على عدّة كليات داخل الجامعة، فيما تمكّن في مراحل معيّنة من انتزاع أكبر كتلة داخل مجالس الكليات، بالإضافة إلى رئاسة المجلس الطلاب الموحّد للجامعة. وبعد 2005، تمكّن التيار من الحفاظ على وجود متواضع أخذ ينحسر مع الوقت، رغم استفادته من أصوات الثنائي الشيعي.

كل هذا الكلام بات اليوم من الماضي. لم ينشط هذه السنة في الجامعة الأميركيّة أي طالب بإسم التيّار خلال الانتخابات الطلابيّة الأخيرة، ولم يترشّح عونيّون حتى كأفراد مستقلّين، كما فعلت بعض الأحزاب الأخرى لتنشيط ماكيناتها الانتخابيّة والحفاظ على وجودها. باختصار، يمكن القول أن الحالة العونيّة انقرضت في الجامعة الأميركيّة خلال الانتخابات، ولم يترك العونيون هناك سوى ذكريات الماضي وأمجاده. مع الإشارة إلى أن التيار الوطني الحر بالتحديد، كان الأسرع من بين جميع الأحزاب اللبنانيّة في الاختفاء من الساحة الطلابيّة في الجامعة الأميركيّة. إذ لم تشهد أي انتخابات هناك منذ أكثر من سنتين أي وجود عوني فاعل، أو حتّى رمزي.

اليسوعيّة: وجود رمزي وشكلي

لطالما مثّلت الجامعة اليسوعيّة –قبل 2019- ساحة التحدّي الأبرز الذي يحاول من خلالها التيار مقارعة القوّات اللبنانيّة، كونها تمثّل في قاموس الأحزاب الطائفية “مركز ثقل مسيحي” يعكس تحوّلات الشارع الذي يتنافس عليه الحزبان. وفي آخر انتخابات شهدتها الجامعة اليسوعيّة قبل الثورة، تسابق الحزبان على إعلان اكتساحهما لكليات الجامعة، في محاولة لاكتساب شرعيّة شعبيّة معيّنة انطلاقاً من هذه الانتخابات.

هذه السنة، لم يحصد التيار الوطني الحر سوى ستة مقاعد في جميع كليات الجامعة اليسوعيّة، مقارنةً بـ98 مقعداً للنادي العلماني، و49 مقعداً للقوات اللبنانيّة، و20 مقعداً للمستقلين. وفي النتيجة، حصد النادي العلماني رئاسات 10 كليات، ونالت القوات رئاسات 5 كليات، والكتائب رئاسة كليّة واحدة، والمستقلون رئاسة كليّتين.. أما التيار، فلم ينل رئاسة أي كليّة على الإطلاق. بل لم يحاول حتّى خوض الانتخابات في معظم كليات الجامعة. ببساطة، لا يمكن اعتبار ما فعلته خليّة التيار في الجامعة اليسوعيّة من هذه الانتخابات إلا بمثابة مشاركة رمزيّة وشكليّة، لم ينتج عنها سوى عدد هزيل من المقاعد مقارنةً بجميع الأطراف الأخرى. في الخلاصة: فقد التيار وجوده التنظيمي في معظم كليات الجامعة اليسوعيّة.

اللبنانيّة الأميركيّة: فشل مدوّ

بخلاف ما قامت به خليّة الجامعة الأميركيّة، حاولت خليّة التيار في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة المنافسة على عدد محدود جداً من مقاعد مجلسي الطلاب في حرمي بيروت وجبيل. لكنّ التيّار مُني في تلك الجامعة بهزيمة مدوّية وقاسية. إذ انحسر تمثيله بمقعدين فقط في حرم جبيل، مقابل 10 مقاعد للقوات اللبنانيّة، وثلاثة مقاعد للنادي العلماني والمستقلين. أما في بيروت، ففشل التيّار في إيصال أي من مرشحيه إلى المجلس الطلابي، في مقابل فوز النادي العلماني والمستقلين بـ7 مقاعد، وحركة أمل بـ6 مقاعد، والقوات اللبنانيّة بمقعدين. في حصيلة الانتخابات، خرج التيار الوطني الحر كأضعف طرف من بين جميع الأطراف التي دخلت غمار السباق الانتخابي في الجامعة. مع الإشارة إلى أن التيار لم يحاول أساساً المنافسة على معظم مقاعد المجلسين، ولم يملك الوجود التنظيمي الذي يمكنه من خوض معركة جديّة في معظم الكليات.

في حالة الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة، يقوم النظام الانتخابي على مبدأ الصوت الواحد، ما يعني من الناحية العمليّة عدم وجود لوائح وتحالفات، بل مجرّد مرشّحين أفراد تتوزّع عليهم أصوات الماكينات الانتخابيّة. ولهذا السبب بالتحديد، الفشل في تأمين أكثر من مقعدين من أصل 30 مقعداً يدل على رمزيّة خاصّة في ظل هذا النظام الانتخابي بالتحديد، لجهة تراجع حجم شعبيّة التيار وحضوره في الوسط الطلابي بمعزل عن أي تحالفات أو لوائح.

التيار العوني: من تيار مواجهة إلى حالة استزلام

في الواقع، يمكن التأسيس على هذه النتائج لفهم التحوّلات كبيرة التي طرأت على التيار الوطني الحر، ونوعيّة الحالة السياسيّة التي يمثّلها. فخلال حقبة التسعينات، سوّق التيار نفسه كحالة مواجهة تحاول التخلّص من الهيمنة السوريّة على لبنان. وهذا الأمر هو ما ساهم بتعويم التيّار في أوساط الشباب الباحثين عن “حالة ثوريّة” تملك المصداقيّة اللازمة لمواجهة السلطة الخاضعة لإملاءات وسطوة الوجود السوري. يومها، حاول التيار أن يستعرض ثوريّته ولو بطريقة شكليّة في أدبيّاته وخطاباته، من قبيل استعمال مصطلح “الاحتلال السوري”، بدل مصطلح “الوصاية السوريّة” الذي استخدمته سائر أطياف المعارضة في ذلك الوقت. وبذلك تمكّن عون من بيع الشباب اللبناني أسطورة الجنرال المتمرّد المنفي، فكسب شعبيّة في أوساط الطلاب الناقمين على النظام السياسي، والباحثين عن صورة “المخلّص” الذي سيعود يوماً من منفاه.

بعد 2005، خرج الجيش السوري من لبنان، وفقد عون قدرته على تسويق التيار كقوّة تقارع الاحتلال الخارجي، فاستخرج أدبيات “استعادة حقوق المسيحيين” كقضيّة بديلة عوضاً عن قضيّة طرد الاحتلال، بالإضافة إلى شعارات الإصلاح والتغيير ومكافحة الفساد. تمكّن التيار من خلال هذه الشعارات الشعبويّة من الحفاظ على حد أدنى من الشعبيّة، التي تسمح له بنيل كتلة برلمانيّة وازنة، لكنّها أدّت في المقابل إلى تراجع شعبيّة التيار تدريجيّاً في الجامعات نتيجة فقدانه “الهالة الثوريّة” التي اعتاد على استعراضها في الأوساط الطلابيّة.

بعد وصول عون إلى رئاسة الجمهويّة بتسويات مريبة مع جميع خصومه، ومع تورّط رموز التيار في صفقات فساد شهيرة، فقدت الحالة العونيّة كل ما يمكن أن تبيعه كقضيّة للطلاب، بما فيها شعارات الإصلاح والتغيير ومكافحة الفساد، عدا خواء شعار “حقوق المسيحيين” بعدما خسر اللبنانيون جميعهم حقوقهم. هنا، لم يعد من الممكن أن يجد العونيون ما يمكن أن يسوّقوه للطلاب في جامعات لبنان، وخصوصاً بعد أن شهد عهد عون أكبر انهيار مالي ومؤسساتي عرفته البلاد، وهو ما أدخل التيار في مرحلة الاختفاء التدريجي من الوسط الطلابي.

في الوقت الحالي، بإمكان التيار أن يراهن على ما يمكن أن تقدّمه الخدمات والزبائنيّة السياسيّة من أصوات في الانتخابات النيابيّة، لكن هذه الأدوات لا يمكن أن تنتشل التيار من أزمة انقراضه في أوساط الطلاب الجامعيين.

المصدر: المدن

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مستشار سابق لرئيس الجمهورية حذر قبل ٢٢ يوم من مؤامرة تحاك ضد بكركي

قبل ٢٢ يوما حزر المستشار السابق لرئيس الجمهورية جان عزيز على حسابه ان السلطة اللبنانية ...