لبنان

النصيحة إلغاء للآخر (بقلم عمر سعيد)

 

قيل : ” كانت النصيحة بجمل “، حتى تخلى عنها الكثيرون، فغدت مجاناً، وما من مشترٍ.

ليظل السؤال الأهم : لماذا أدار الناس ظهورهم إلى الناصحين ؟

عندما يتلبس البعض دور الناصحين، يقعون في فخ إلغاء الآخرين.
عندها، تراهم يجلسون؛ مستعرضين معارفهم الثقافية وخبراتهم القديمة، يبدأون ممارسة دور العارفين مالكي الحقيقة، وهم أكثر الناس حاجة للنصح.

وما أقبح الساعي إلى تغيير الآخرين، وقد ترك ذاته في طريق المحاولات تتخبط، دون أن تجد درباً للخلاص..
هناك لا يمكن لأعمى أن يقود أعمى !

فالناصح معلم مبتلى بوهم المعرفة، يعيش ادعاء الشعور بالمسؤولية، والحرص على الآخرين.
يمد يده لينقذ الآخرين، دون أن يتنبه إلى كونه يقف في عمق الهلاك.

والناصح مشفق على الآخرين، لأنه الأحوج بالشفقة، إذ يسهو بإشفاقه عن التنبه إلى كونه قد تسبب بإهانة الآخرين.
دون أن يكتشف أنه أكثر المتسببين بالإهانة لأنفسهم.

الناصح مهندس أتى بمخطط لمنزل مشيد منذ سنوات، يحاول إقناع أصحابه باعتماد التعديلات الواردة فيه، مهمشاً معنى الألفة التي عاشها سكانه لسنوات في منزلهم.
ناقد، لا يتقن قواعد القراءة، لكنه يؤلف كتباً، يخالها طريقاً للنهوض بالمعرفة الفكرية، ضارباً عرض الحائط بظروف اللحظة الإبداعية واحتياجاتها لتشعل احتراق المبدعين.

الناصح أناني، مريض بالتعاطف الذي يحتاجه لنفسه.
في كل هؤلاء، تغدو النصيحة إلغاء للآخر.

لأن أصدق الدروس لحظة جارحة تُسِيلُ بعدها الألمَ والدمَ والندمَ، فالحاجةَ إلى فرصة أخرى؛ تمكننا من تصحيح ما ارتكبنا من أخطاء.

يعتقد أولئك البعض أن النصيحة عطاء، ويجهلون أنهم بذلك يمارسون العطف على الآخر، وممارسة العطف إشفاق والإشفاق جريمة لا يشعر فاعلها بالذنب والندم.

ولأن العطاء اختفاء، اكتشف القديسون قيمته العظيمة مبكراً، لذا دخلوا المحبسة، ليعبروا إلى النور، لأن الطريق إلى العطاء هي اختفاء، والاختفاء منبع العطاء، والعطاء أوسع بوابات الدخول في الكون.

فالنصيحة استغلال بحجة الحب، والحب توظيف للآخر بهدف رفضه كما هو عليه، لأننا في النصح، نسعى إلى تشكيل الآخر وفقاً لما نريد ونعرف، وفي الحقيقة نحن نرفض تقبله كما هو.
فالزوج ينصح زوجته، لأنه يريد تطويعها، والزوجة تنصح زوجها، سعيا لتطبيعه، والأهل ينصحون أبناءهم، لتحقيق رغباتهم ومشاعرهم وتجربتهم فيهم.

وفي الحقيقة والواقع، لا أحداً منّا يتقبل الآخر على حاله، بل يلح على إلغائه، لاستبداله بآخر غير موجود إلا بإرادتنا.

ولأن النصيحة فيها استبعاد لأي استعدادات في تفهم والاستماع، فلنتوقف عن النصح، ولنبدأ بتقبل الآخرين كما هم.
عمر سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق