المرتكزات الخمس لأية إستراتيجية دفاعية

المرتكزات الخمس لأية إستراتيجية دفاعية:

يكثر الحديث عن الإستراتيجية الدفاعية في لبنان، ويكثر معه اللغط حولها، حيث باتت لازمةً التشدق اليومي تلوكها الألسن ولا تهضمها الأفكار.  وكثير من المتكلمين فيها لا يدرون كنهها ولا يعلمون نسجها ورسمها. وهناك قلة من الغيورين والوطنيين يعلمونها ولكنهم لا يستطيعونها، ومنهم قادة ومسؤولين ومفكرين وأكاديميين اصدقاء ومعلمين، يشكلون think tanks يشرفون وطنهم ويغنوه.

 وأنا هنا- بتواضع- أطرح أسسها بما تكون لدي من زاد معرفة على قاعدة علمية مجردة مستنداً على شهادة ماستر في الأمن الوطني حيث أنني لا أتكلم هباءً أو اتنطح دون حجة. والمرتكز لي هو بتحديد: ماذا – كيف – لماذا….في كل السياق.

إن كل دولة معترف بها في القانون الدولي، تقوم على أرض وشعب وسيادة. وكل دولة بهذه القائمة الثلاثية، تخضع للمسؤولية الدولية (حقوقها وواجباتها)، ولا يستقيم اتجاهها ولا تتضح هويتها وماهيتها، إلا برسم سياسات policies عامة لكل الحقول فيها (السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية..) ، ولكل سياسة منها استراتيجية  major عامة أو مخطط عام، يتشعب إلى استراتيجيات minor تكتيكية لكل إدارة عامة أو وزارة، تعنى بتفاصيل تنفيذ هذه الإستراتيجية.

بالحديث عن أية استراتيجية دفاعية لأي بلد، لن نهتدي إلى صياغتها ونسجها وإخراجها سليمةً دون شائبة، ما لم تراع مرتكزات خمس:

١- الهدف الوطني الواحد الجامع لكل الأطياف،United National Purpose.وكيفية ممارسته: من هو العدو والصديق، وما هو الإهتمام الأول للبلد،  وعلى أساسه تنساق الاهتمامات الأخرى؟ هل مجابهة إسرائيل والتحالف مع إيران والنأي عن بيئتنا العربية؟ وهل فعلاً إيران تريد المجابهة؟ ألم يتحقق أمن العدو بعد بروز إيران التي ضعضعت القوى العربية بالتدخل في نسيج شعوبها، وأبرزها لبنان؟ هل بعدم الانحياز وبتجديد الهدنة مع إسرائيل والانصراف إلى بناء الداخل السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟ هل بالانتماء شرقاً ام بالارتماء غرباً، أم بكليهما؟ وأين تكون مصلحتنا الحيوية؟
ايضاً ما هو نظام الحكم؟ ديموقراطي ليبرالي، شمولي راديكالي، فيدرالي كونفدرالي…. ؟ إذ أن كل نظام له اسقاطاته وتطبيقاته التي تؤثر سلباً أو إيجاباً على مخرجات سياساته العامة،  ويالتالي الاستراتيجيات المنبثقة، وأبرزها الإستراتيجية الدفاعية.

٢- المصالح الحيوية Vital interests: هل مصلحتنا العامة في إتفاق الطائف أم بنسفه، وما البديل؟ صيغة ١٩٤٣ أدت إلى الحرب الأهلية ١٩٧٥ (خوف المسيحي وغبن المسلم). وثيقة الوفاق الوطني ١٩٨٩ ناصفت وانصفت الجهتين وحولت لبنان  من بلد ذو وجه عربي إلى بلد عربي الهوية والانتماء.
من جهة أخرى؛ المصلحة الحيوية المهمة هي في استقرار وأمن المواطن،  إذ أن  نعيم الإستقرار يحفز للدفاع الشرس ذوداً عنه. ونقصد بالاستقرار الحقوق الإقتصادية  والإجتماعية وحرية الرأي، وبالتوازي مع الدور الرعائي للدولة في تعزيز وصون هذه الحقوق. ومتى ما تحقق ذلك، يبنى عليه القرار السياسي الموحد، بتحديدات الأمن القومي.

٣- البيئة المحيطة، والمجال الحيوي: كيف نؤثر ونتأثر بها: لبنان ليس في جزيرة، هو بلد متشاطيء – إن جاز التعبير- مع عدة بلدان لا يمكنه تهديد أمنها القومي، ولا يمكنها تهديد أمنه القومي، سواء بسواء. هذه قاعدة اساسية، إلا إن كان في حرب شرعية لصون مصالحه الحيوية.
كما أن طبيعة الأحداث وتطورها تحدد انخراطه أو نأيه  بنفسه، شرط تحديد من هو العدو والصديق، وعقيدته الثابتة ارتكازاً على الهدف الوطني المقرر اصلاً
وبهذا السياق؛ فالبيئة المحيطة، باستثناء دولة العدو إسرائيل، هي عربية خالصة ولا يمكن الانعزال عنها، خاصةً أن أولى بنود الدستور اللبناني تحدد أن لبنان عربي الهوية والانتماء. وهذه ثابتة يقتضي النسج على أساسها.

٤- القانون الدولي والشرعية الدولية: إن أول شروط المسؤولية الدولية هو عدم الخروج عن مواثيق وقرارات وأحكام الشرعية الدولية، طالما أن لبنان عضو مؤسس وفاعل في منظمة الأمم المتحدة، ولأن القانون الدولي يسمو على كل القوانين الوضعية المحلية، تركيزاً فيما خص معاهدة جنيف والشرعة العالمية لحقوق الإنسان وقانون الحرب والحرب العادلة….

٥- قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها، ويتحتم كف يد الميليشيات عن العبث بهذا القرار؛ إذ أن الهدف الوطني لا يمكن تخطيطه مراعاةً لهدف ميليشيوي،  حيث بالواقعية السياسية لا تنشط ميليشيا إلا على ضعف الوطن، والعكس بالعكس. وكي يبقى كيان الميليشيا وتقوى به الدولة، يجب أن تكون في كنفها وترفدها في قرار الحرب والسلم استناداً على الهدف الوطني، لتحقيق الأمن القومي وتأمين المصالح الحيوية المتعددة.
وإذا شذت هذه الميليشيا عن الإهتمام الوطني، فيجب استئصالها، ثم تنشئة أفرادها كلبنانيين حصراً بعيداً عن الطائفية والعقيدة. فالانتماء للوطن وليس للطائفة، والعقيدة هي عقيدة الوطن طالما – وهذا أمر جذري – أن الدولة تقوم بواجبها الرعائي وتؤمن لهذا المواطن جميع حقوقه السياسية والمدنية والإقتصادية والاجتماعية بكل المقاييس (تأسيس المواطنية،  وبناء المواطن اللبناني). فكل التزام يقابله حق.

اخيراً متى ما تحققت كل هذه المرتكزات، يتضح أمامنا الهدف الوطني الموحد، وعليه؛ نستطيع عندها وبيسر أن نرسي سياسة عامة واحدة موحدة، يفرز منها وعلى نهجها  استراتيجية دفاعية سليمة واضحة المعالم والأهداف، وبالمستطاع وضعها موضع التنفيذ.

وبهذه الأيام العصيبة، بات بحكم المؤكد أن الإهتمام الأساس، كي نرسي دعائم الدولة لننطلق إلى رسم استراتيجياتها الدفاعية، هو بنزع سلاح الميليشيا المؤدلجة خارج هموم الوطن والشعب، والتي باتت عبئاً ثقيلاً وكابحاً أمام مسيرة الدولة نحو التعافي والنمو. أما كيف؟ فنحن لبنانيون نفتخر بأنفسنا ولا ننعدم الوسيلة؛ وأولها تقديم رجالات الدولة والعقول الوطنية للإمساك بزمام الأمور السياسية والإقتصادية والإدارية…ثانيها؛ العودة إلى بيئتنا العربية ، ثم الناي بالنفس عن الصراعات الجوارية، واهمها؛ مخاطبة المجتمع الدولي للعمل الجاد لتطبيق القرارات الدولية لا سيما ١٥٥٩ و ١٧٠١ التي تعنى بتمكين الجيش اللبناني من الإنتشار والتسيد على كامل تراب الوطن… هاتيكم الخطوة الأولى وبعدها تهون كل الأمور…. فإلى عز الوطن: سر.

  العميد الركن المتقاعد يعرب صخر
         21/8/2019

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما لم يقله جعجع

شهد المقر العام للقوات اللبنانية في معراب مؤتمراً صحفياً لرئيس الحزب سمير جعجع بحضور نواب ...