رأي حر

المتحف الذي خسر زائريه (بقلم عمر سعيد)

لوحات هنا ، وتماثيل هناك ، ورسوم جدارية تحاصرك أينما تحركت ..
هكذا هي شوارع وطني وساحاته منذ خمسين عاماً ، على الأقل تلك التي عشتها فيه ، ولست أدري إن سبق عمري بحاله هذه ..

تمثال لعبد الناصر في بعلبك ، وآخر لباسل الأسد في شتورا ، وواحد لحافظ الاسد في مكان ما ، وجدارية لملك عربي على تلك العمارة التي تكاد تقفل الشارع بطولها وعرضها وتدليها فوق الشرفات ، وصور ومجسمات لآيات الله لا يعلم عددها إلا هو ، وآخرها تمثال سليماني الذي لا ادري كم سيطول وقوفه في وجه اسرائيل ، ومن يدري لعل وقوفه هذا مؤشر على انتهاء الاشتباك المسلح ، فأي عاقل يقيم التماثيل عند فوهات المدافع ؟!

شوارع تزدحم بصور أحياء وأخرى أموات ، وخلف كل صورة لون ، تقودك دلالته إلى دولة ما باستثناء الوطن .
وكأن بلدي متحف مفتوح لتماثيل وصور لا تحصى ، غير أنه متحف بلا تذكرة دخول ، ولا هوية ، ولا زوار ..

تتجول في هذا المتحف بكل آلامك النفسية ، وأحزانك ، ومتاعبك ، التي تكاد تكسرك قرفاً جراء مشاهداتك اليومية لرموز لست مخيراً في النظر إليها ..

فاللبناني ليس كأي زائر متحف ، يستمتع بهذه المشاهدات التي سيوظفها في صالوناته الفكرية ، أو في إبداعاته المتعددة ..
بل هو سجين يئن تحت تراكمات تكاد تحجب عنه الضوء والأنفاس أنى توجه ، وقد باتت تشكل مرآته التي يرى فيها بؤسه وحزنه وعجزه عن التحمل او التغيير ، لذا استبدل متعة المشاهدة بكثرة التأفف واللعن والبصق على الساعة التي جعلت منه لبنانيا .

حراس هذا المحتف منافقون سراقون ، اشتروا هذه اللوحات والتماثيل بذلنا وإهاناتنا ودماء الكثير من الحمقى الذين صدقوهم .
هذا المتحف ليس يشبه لا من قريب ولا من بعيد متحف اللوفر أو الأكروبوليس او صومعة الأرميتاج أو برادو ..
هو مجرد مساحات مليئة بأموات يتجولون و لم يدفنوا بعد ، و فضاءات متفلتة من الأطر والقوانين والضوابط..
يمكن لأي قاتل في العالم أو أي رمز غريب عن وطني أن يحتل زاوية أو ركنا أو مطلاً ليقف فيه عشرات السنوات ، دون أن تحرر بحقه أبسط مخالفة ولو من شرطي بلدية .
محتويات هذا المتحف ، يمكن للطير من أن يتغوط عليها ، وبإمكان أي كلب أن يرفع قدمه للتبول عند أسفلها ، وتتقبل قواعدها كثيراً من أعقاب سجائر المارة وبول والمشردين الذي يفوح صنانه تحت أشعة الشمس ساعات الظهيرة .

إنه أتفه متاحف الدنيا وأسخفها وأقذرها ، يبعث الرائي على الاشمئزاز والبغضاء ، ويدفعه إلى مغادرته ، وعدم التفكير بتاتاً بالعودة إلى زيارته ثانية ..

إنه ببساطة متحف خسر كل زائريه .
عمر سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *