العدم أفضل من اللا-شيء

إن بداية كل شيء وراءه بداية أولى، ومن خلال حركة معينة يمكننا أن ننشىء الشكل أو نحد الوهم لنحقق الفداء والخلاص. مفاهيمنا وواقعنا التجريبي ليسا في لعبة وعبث : نحن هنا بمثابة الفنان البدائي، وعلينا أن ننجح لتحقيق الخلاص من العالم الظاهر. فواقعنا، هو مجرد إستعراض للعالم الحقيقي أي البدائية الأولى. لدينا الوقت والفضاء والسبب.. ولدينا عالمنا التجريبي.
إن من قدرة نبضاته الفنية للفنان في طبيعته يمكنه أن يبدع، ولديه توق شديد الى التحرر والإنفصال: أي الخلاص عن طريق تحرير الذ ات وعدم التقيد بالوهم، فالوهم هوعالمنا الظاهر. لدينا لقب رفيع المستوى، ولدينا أّعلى درجات الكرامة في معانينا كالأعمال الفنية – لأن الفن ليس فقط كظاهرة جمالية بالرغم من هذا الوجود والعالم له من يبرره الى الأبد” ولادة مأساة نيتشه تعلن الفوضى والعدمية نفسها حتى الآن وممكن أن نكون اصبحنا داخل الحدث، ثقافتنا منهارة تتجه نحو كارثة أكثر فأكثر، القلق يزداد مع العنف المتهور، وأصبجنا مثل النهر الذي لا يستطيع يعكس إتجاهه ويريد الوصول الى النهاية .
العدمية على الأبواب حان وقتها ولا بد من اعادة النظر في القيم.
الشوق الى اللا-شيء… هو الأخطر:
لأن هذه صورة العمل الكنبة تعكس مقولة: بغض النظر عن أّنّني منحط لا-أخلاقي، فّأنا على عكس ذّلك أّيضّا….لذلك ضرورية عمليه هدم هذا المشهد لإعادة بنائه.. ليصبح المفهوم أقوى من جمالية العمل التجهيزي بحد ذاته..
انه عمل فني رافضاً لشكله الحالي وواقعه وإنه أيضا في حالة رفض من نظام فاسد مخفي وعلني.
قدم هذا العمل عام 2015، عرض في زيتونة باي بيروت وبعدها نقل الى جامعة المنار طرابلس مع مشاركتي مع جمعية الفنانيين اللبنانيين للرسم والنحت وطرحت هذه النظرية الفلسفية من خلال هذا العمل قاعدة الدمار وردم كل شيء لهذا المشهد ولنبدأ من جديد.
أولا : في تاريخ الفن الحديث أصبح المشاهد جزءًا لا يتجزأ من عمل الفنان أو من عمله الفني . بناءً على هذه النظرية سعيت من خلال المشاهد إنجاز مهمة هذا العمل، وفي هذا اقترحت عاملا مهما، لتطوير العمل نفسه الغيرالمتكامل ورميت الكرة في ملعب المشاهد ليشارك في إنهاء هذا العمل وتطويره لكي اثبت إنه بإمكان المشاهد أن يعالج بنفسه اللغة التشكيلية دون أن يلتجأ الى الأكاديمية أو لكلية الفنون يعتمد على ردة فعله مثل الفنان البدائي. لأنه كان في اعتقادي الخاص، كل شخص في مجتمعنا المريض هو جزء من هذا الهراء ليس فقط الفنان وحده المعني الوحيد أو بعض أفراد المجتمع وهذا يجب أن يكون جزءًا منا جميعًا. ومن ثم طرحت سؤالا: ما هي العلاقة بين تلك القطعة (الجاهزة) والسياق؟ إنها محاولة لتقديم ما يحدث في بيئتنا وفي البيئة المحيطة بنا.

هذا العمل يعكس صورة الواقع الذي نعيشه ولمعالجة اشكالية الربط بين الوجودية والعدمية للإنسان..!!!
بالإشارة إلى قطعة واحدة جاهزة (كنبة خشنة ومشوهة) ليس لها فائدة وقيمة، هذه الكنبة تعكس حالة الصمت والرومانسيىة والعدم. وقد تعكس الفوضى والغضب والقلق والاضطراب من البيئة الحالية في استخدامنا للمواد الخام ومن أزمة النفايات بمثابة ردة فعل أيضا في ذلك الحين. أردت أن أعكس الواقع أكثر في روح حرة وبعفوية مطلقة. عملي كتجربة فنية يرتكز على عنصر واحد من العدم الى الوجود وتجسيده كعمل فني يكشف المفهوم. الكنبة  نقلتها من موقعها الطبيعي  من حاوية القمامة ووضعتها بموقعها الغير الطبيعي في صالات العرض الفنية، تم استخدامها كدعم لخدمة المفهوم المرئي كعنصر يتعارض مع صور داخل  رؤوسنا.
حقيقة هذا العمل الفني المقدم في صورة هو عمل مجهز في الواقع سلعة مهترئة، رأيتها كمادة وحالة جمالية فنية غنية لتخدم الفكرة التي قدمتها عندما كانت ازمة النفايات بأوجها في ذلك الحين، بالإضافة إلى ذلك، سعيت إلى تطوير لهذا العنصر الممزق والمشوه (الكنبة) من خلال ردة فعل المشاهد على واقع هذا المظهر في عرض مباشر. لأن في اعتقادي الخاص، كل شخص في طبيعته فنان صغير بداخله، ولأخذ آراء مختلفة وأفكار متناقضة من جميع الأشخاص الذين يريدون المشاركة في عملية التطوير، فكان لهم حرية التعبيرعن أنفسهم في هذه الحالة المعارضة والاضطراب هكذا كان العنوان. اكتبوا وعبروا عن رأيكم في تلك الخامات البيضاء كل هذا الفضاء لكم، خلف الكنبة أو على الكنبة أو في أي مكان تريدونه والنضال لّأجل اّلكلام و اّلتعبير. تعبير المشاهد سواء كان مع هذه الشروط أم ضدها. باستخدام أقلام محددة من مختلف الألوان، ليملئ الفضاء الخامات، بحرية مطلقة وليجعل هذا العمل عملا كاملا متكاملا مع لغته التشكيلية والبصرية. بعدها نرى نوعا من اللغة التشكيلية في بعدها المادي ومن الألوان الأقلام المستخدمة وفي بعدها الفكري من (الأفكار والآراء المتضاربة) والبصرية التي استخدمناها، وهناك من أخذ المشهد على ما يحدث على الصعيد العربي وهناك من حصر هذا المشهد في لبنان، ثم قمنا بالتحليل أخيرًا، ليصل المفهوم إلى المهمة الصعبة المتمثلة في سد الفجوة بين الفنان والمشاهد ولنجعل التراجديا أمرا ممكنا بإعتبارها ظاهرة الفرح التراجيدي.
يبدو أن هذا الشكل المشوه له مببره وله من يبرره( وعملية التبرير هذه ما لمّحنا اليها أعلاه) في حياتنا اليومية في نظامنا الحالي وله جمهوره ومحبينه لأن هناك رابط لهذا التبرير هو الأيمان والعقيدة. نريد لغة جديدة اساليب جديدة دم جديد لننتج انسان جديد يبدع مثل كل المبدعين، وإن بقي على شكله الحالي كما هو عليه اليوم، فإن ابدع ينتج الردائة والسخافة الفكرية والثقافية. إذا سئمنا من كل هذه الخطابات نريد لغة متقدمة لجيل جديد، واعادة النظر في قيمنا وأخلاقياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية. سئمنا من اللغة والألسنة القديمة نعم لهدمها. سئمت روحنا كل هذا… ونحن نسير في بطء شديد…
العمل له زمانه وذاكرته ورمزيته الخاصة وله سببه ومسببه يجذب المشاهد إليه ويأخذه بعمق تفكيره الباطني، ناقلاً الصورة غير مثالية إليه، ويتفاعل مع العمل ليس كعمل فني فقط بل كارادة قوة للانقلاب على الواقع نظرا لخطورة الوضع وإستمرار هكذا صورة في ذاكرته ليسأل المشاهد اسئلة لنفسه رافعاً كلفة الجمالية ويتفاعل مع الوضع فالموضوع الأساسي فيه أي الكنبة سوف تزول مع مرور الزمن والوقت، هذه الكنبة لن تدوم وتبقى هكذا على شكلها الحالي خلاصنا الوحيد من هذا المشهد المهتري تدميره نظرا لوجود الشر ويجب علينا مكافحة أسبابه. برهاني هذا من منظور علة مرضية نحو المفاهيم والقيم الصحية، في مجتمعنا ككل وبالعكس تماما. الفنان المبدع الحقيقي لهذا المشهد المشوه والممزق المهترئ للكنبة، السلطة (النظام) وذاك الفساد المخفي ايماننا في المفاهيم والقيم وأخلاقياتنا الخاطئة المزيفة.
بالمناسبة: نقلت هذه الكنبة مرة أخرى الى مهرجان فجر مواهبك بقهوتنا كافيه مع جمعية مارش
في منطقة التبانة طرابلس والكعادة اعطيت حق الرد على هذا المنظر للجمهور المشارك وقمت بتطوير نسبي مضاف على العمل وقمت على تقييد هذه الكنبة بجنزير حديد وقفل دلالة على ان الكنبة حتى مكبلة ومقيدة، ووضعت الطلاء من اللون الأحمر والأسمنت يرمز على عملية البناء والردم، واضفت الفأس والمطرقة والأقنعة وقفاذات صناعية ترمز على الأنقلاب على الواقع، وكان ردة فعل الجمهور حينذاك وهم يرتدون القفاذات والماسك بتحطيم الكنبة ومن ثم فاجئني أحد المسنين يمسك الفأس ليقوم بتحطيم الكنبة بعصبية هائلة ويصرخ ويردد في صوت جهوري عال، هؤلاء جالسين في الحكم على الدماء على دمائنا… كان ردة فعله قاسية وقوية

الكاتب:ريمون أبو حيدر
عضو جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاعتراف بالخطأ تربية، وليس فضيلة. (بقلم عمر سعيد)

الاعتراف بالخطأ تربية، وليس فضيلة. ليس الجلوس على كرسي الاعتراف في الكنيسة مجرد محاولة لخلاص ...