رأي حر

الضوء بين الطين والخشب (بقلم عمر سعيد)

في مائية شوقي دلال
يتكىء الظل على الضوء في مائية شوقي دلال، ظلال تنسدل بانسيابية سلسة، تؤطرها خطوط، تحتضن كمرايا الذاكرة بقايا الكثير الكثير من الصمت والفرح والحب والموت خلفها.

مشهدية صفراء، مع إصراري على عشق المبدع دلال للأصفر وفلسفته التكوينية، أتساءل : هل كانت مصادفة، أم أنها جدلية متعمدة في اللوحة، تلك العلاقة البنائية بين أسلاك الكهرباء ( شرايين الطاقة) وإقامة الخشب في الطين، وإسقاطات الجدران المشبعة بذكريات، لم تنزح عن ملمح؛ ظل عالقاً في مخلية الرسام منذ ستينيات القرن الماضي؟

غير أن الدراسات تؤكد ألا مكان للصدفة في علاقة اللون بالريشة، ولا في مخيلة الرسام، لذلك انبعث سطوع الأصفر عند ارتكاز قواعد شرايين الطاقة، والقاعدة المثلى تقول :
“لا ضوء بلا طاقة”.

فالأصفر في هذه اللوحة أعمار، والأعمار أجيال..
أجيال من السعي إلى البقاء، فالبقاء خلود، وخلود اللون رحلته التي تبدأ من اللوحة، ولا أحد يعلم أين تنتهي تلك الرحلة بعد عيون المتلقي.

يتنقل الأصفر مساحات من السطوة والحضور والدلالت في كل امتدادات اللوحة، لكنه على الرغم من انعكاساته المرضية في علم النفس، إلا أنه هنا، يشير إلى صفرة الولادة فوق وجه حبلى؛ يبشر بالحياة، يشير إلى زمن طويل قد لا يتوقف، مهما طال وقوف اللوحة في جدار، أو فوق حاملها.

لا اختراقت حادة في انسكاباته على الأماكن، ولولا تساميه، لما تمكن لسان الفرشاة الداكن من التوغل في زوايا الوسط اليميني.
ترى هل تسلل اشتعال اللون عبر الفرشاة إلى روح المبدع، أم أنها روح المبدع، أشعلتها جمالا في هشير اللون ؟

أراني مرة في هذا العمل في بستان دراق غالبت ثماره الورق ؟
وأخرى وسط موسم عسل في أمصار زهر، ما لامسته أجنحة الفراش !

ولو تناولنا هذا العمل من أسفل زاويته اليسرى إلى أعلى ماقبل زاويته اليمنى، لقرأنا فيه الولادة والحياة، فالولادة رحلة النور في الظلام، اتحاد حب يمزق تكور العتمة في رحم، يضج بالصمت إلى انفلاتات، تتناهي في فضاء زرقة تتلاشى صُراخات بيضاء.

من غياب البشر عن اللوحة، إلى انغلاق الأبواب والنوافذ على التخمين، يتخطى هذا العمل سكينة الإنسان، ببساطة الأسلوب، فتحضرني عبارة “السهل الممتنع”، التي تمثل اقصى حالات التذوق المرضي، علماً أني لا أؤمن بهذه القاعدة، فلا سهل ممتنع؛ إلا إذا قطع المبدع مسيرات فوق جمار السقوط والقيام، يصعّد في تلال المحاولات احتراقاً وسعياً، يسقط ألفاً، يعاب ألفاً، فيصفق له آحاداً.

فالسهل الممتنع، وجه طفل جميل فوق ذراع حامله، لكنه مِزَقٌ، تسلخت عن روح أمه وقلبها وجسدها شهور حمل، وساعات مخاض قبل الولادة.

هناك عند تقاطع الحمرا السادات تسمرت لحظة في مخيلة شوقي دلال، فخلدها لوناً صاغ خلفيته من غشاوات المطاردات خلف الدهشة.
عمر سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق