الذّاكرة المصنوعة/ عمر سعيد

الذاكرة المصنوعة.

في لقاء معي حول روايتي الأخيرة “من بيت الطين إلى عنايا” في البنية يوم الخميس ٢٨-٧-٢٠٢٢ في مركز Bodyspirit أثير سؤال:
هل يمكن صناعة ذاكرة تلغي ما قبلها؟
وطرحت أنا أكثر من سؤال:
لمَ تم إحراق مكتبات مدينة بغداد ١٢٥٨ م ؟
لم أحرقت مكتبة الاسكندرية؟!
في كتاب البؤساء لفكتور هيغو، عجز جان فال جان عن صناعة ذاكرة تلغي ذاكرة الشرطي الذي ظل يطارده عقودًا بتهمة سرقة رغيف خبز.
عقود من العمل والإحسان، لم تشطب ذاكرة الشرطي الباحث عن جان فال جان، ذلك لأن الذاكرة هي أنا في الآخر.
قد أغير بعضًا من ذاكرتي، لكن الذاكرة “من حول” هي المعضلة والأزمة.
لأن الماضي الذي تقاسمه الآخرون، بات من المستحيل إعادة جمعه بغية صناعة ذاكرة جديدة تلغي الذاكرة القاسية التي تشكلت.
يظن البعض أن القدرة على التحكم حالة قابلة للتطبيق.
قد يتحكم المرء بغده، فيقرر إزالته من زمنه كليًا بالانتحار، لكن التحكم بالماضي أمر غير قابل للمحاولة.
ومن هنا يكتسب الأمس والموروث قدسيته.
تكتسب الذاكرة آلامها. فالألم ينتج عن الزوال والفناء والموت، وعن عجز الاستعادة والتكرار.
فالعجز عن استعادة لحظة هزيمة بكل آلامها لا يقل قسوة عن العجز عن استعادة لحظة سعادة أفلت.
ولما كانت الذاكرة تؤثث بالآخر، فإن الخيال يؤثث بالمتذكر الشخصي والجمعي.
ولأن لا شيء في الخيال من خارج عالم الواقع إلا بقدر ضئيل جدًا.
تظل الذاكرة هي المحرك الأبرز لنا في بناء النص، فالكتابة هي قراءة قبلية.
بمعنى أننا نعيد قراءة ما ننوي كتابته، عند الانكباب على فعل الكتابة.
بالتالي يغدو للنص قراءتان: قراءة ما قبل الكتابة وقراءة ما بعدها.
وهنا تحضر الذاكرة في القراءة ما قبل الكتابة، ثم تخطو عبر الكتابة إلى القراءة ما بعد الكتابة.
وما النص إلا تقاطع ذكريات، وذاكرة بسواها.
وما الذاكرة إلا نحن في الآخر، والآخر فينا، ونحن والآخر في النّص.

عمر سعيد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تَفاقُماتُ بَحّار – الشاعر العراقي أجود مجبل

( تَفاقُماتُ بَحّار) سأفتحُ البابَ للأشجارِ مُحتفِلًا وأُقنعُ الشمسَ كي ترتاحَ في الظلِّ فالوقتُ أرصفةٌ ...