لبنان

الحريري يسلّم تيار المستقبل لباسيل: ما يشبه الانتحار

منير الربيع – المدن
يستمرئ الرئيس سعد الحريري اتباع الارتجال في مسار تياره السياسي. كأنه في خياراته ينسج على مقام الزجل الارتجالي: كلام مستهلك عن الوحدة الوطنية، الانفتاح، ومصلحة البلد..  وما إلى ذلك.

أزمات المستقبل
يكاد الرئيس سعد الحريري أن يكون مثالاً لهذا النوع من الزجليات التي تتحكم بخلاصات خياراته. فحالياً، على سبيل المثال، يُحكى عن استقبال يُعدّ لرئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل، في مركزية تيار المستقبل، يجمع باسيل إلى كوادر التيار الأزرق وناشطيه. بالتأكيد باسيل هو من طلب تنظيم اللقاء. والحريري، بالتأكيد أيضاً، لا يستطيع رفض أي طلب لباسيل، لا في السياسة ولا في الاقتصاد، وكذلك في ما يتعلّق بتياره.

اللافت أن الحريري ينظّم هذا اللقاء لباسيل، بعد أيام على إقفال قناة المستقبل، وبعد أشهر على إغلاق جريدة المستقبل، وفي وقت استعداده لتحجيم تياره وصرف موظفين وكوادر فيه. لا شك في أن أي عملية إعادة هيكلة للتيار وكوادره ومنسقياته، هي حاجة وضرورة قصوى. ولعلّ الخطوة كان لا بد منها منذ فترة طويلة، لتنتشل التيار من سُباته وركوده القاتلين. ولإعداد كوادر تمتلك حداً أدنى من الثقافة السياسية، يفتقدها التيار، خصوصاً بعد حالات الاستبعاد الكثيرة التي حصلت في السابق، وفي مراحل تحولات التيار إلى حزب، ومن ثم إعادة التفكير بمبدأ العودة إلى التيار.

لا لوجع الرأس والتعقيد
تلك الخطوات كان لها أسبابها ودوافعها. فبعد الأزمة المالية التي بدأت في العام 2009، قرر الرئيس الحريري شد أواصر الأطر التنظيمية لتياره، وتحويله حزباً سياسياً، لا يقوم على مبدأ الانتفاع المالي الذي أدخل التيار، طوال سنوات، في حال ترهل مستفحل. لم يتحول التيار إلى حزب كباقي الأحزاب. وبعد عودته من الخارج، قرر الحريري إعادته إلى تيار، فاتخذ قرارات كثيرة، وعين منسقيات جديدة، ومكتب سياسي جديد. ولد المكتب السياسي بطريقة ارتجالية واعتباطية، ترشيحاً وتعييناً.

تركز النقاش على ضرورة إشراك عنصري الشباب والنساء، فغلب الشكل على المضمون، وحلّ الجدد في المكتب السياسي، من دون امتلاكهم حدّاً أدنى من الثقافة والمتابعة السياسيتين، حتّى أن بعضهم تذمّر، في أحد الاجتماعات، من أن تقرير المكتب السياسي طويل ويجب اختصاره في صفحة واحدة. والبعض الآخر اعتبر أنه “صعب”، ولا ضرورة لتعقيد الأمور إلى هذا الحدّ.

ترافق هذا مع جملة قرارات اتخذها الحريري، تتعلق بإبعاد كثرة من المؤثرين أو أصحاب الرأي. وهذا ما فعله أيضاً في الوزارة والترشيحات النيابية. فهو لم يعد يريد من يناقشه، أو يتسبب له بوجع في الرأس انتقاداً لممارساته، وفي محاولات تصويب مسار التسوية والحفاظ على التوزان.

نعم لراحة البال
هذا المسار أوصل إلى حالات “الإقفال” التي تحصل. وانعكس تراجعاً سياسياً لا مثيل له، خصوصاً في تنازلات الحريري، ليس عن صلاحياته فحسب، بل عن ثوابت وتوازنات أساسية. فملف ترسيم الحدود مثلاً مناط بالرئيس نبيه بري، والاقتصاد ما بين باسيل وعمه وفريقهما، وملف العقوبات، والسياسة الخارجية والاستراتيجية، في قبضة حزب الله.

أما القرارات الأساسية في الدولة، من تعيينات وسياسات اقتصادية، ومتابعات أمنية وعسكرية وقضائية، فأصبحت كلها في عهدة رئيس الجمهورية، الذي انتزع من الحريري كلّ شيء: من ترؤس مجلس الوزراء، إلى عقد اجتماعات مالية واقتصادية في القصر الجمهوري، إلى اجتماعات المجلس الأعلى للدفاع. فيما لا يجد الحريري ضيراً في ذلك ربما، طالما أنه يعتبر نفسه في مأمن، في ظل هذه التسوية، ولو خالي الوفاض.

أكاديمية عونية للمستقبل
ليس تفصيلاً أن تأتي دعوة باسيل بعد خلاف بين الحريري ونواب التيار الوطني الحرّ، في جلسة مجلس النواب الأخيرة. فها هو يخطو خطوة جديدة على طريق تقديم التنازلات لباسيل، مستنداً إلى زجلية الحفاظ على الدولة، وتخفيف الاحتقان، وغيرها من شعارات تبريرية.

قد يكون استقبال “المستقبل” لباسيل، لغاية في نفس الحريري، في وقت إقالته منسقيات المستقبل. ولعلّ باسيل لقنه دروساً مفيدة اختبرها مع عمه في تيارهما المشترك: الإقالة والاستبعاد، والجلسات التثقيفية  في التاريخ والثقافة والفكر السياسي، وربما لضمّم المستقبليين إلى “أكاديمية التلاقي والحوار” العونية.

هل يلجأ الحريري اليوم – إمعاناً منه في راحة البال – إلى تسليم تياره لباسيل الذي افتتح معركته الرئاسية في المناطق والبيئات اللبنانية كلها؟ وها هو يخوض جولات خارجية لإقامة أكبر شبكة علاقات، ويستعد لاستضافة لبنان مؤتمر التحالف المشرقي، لعلّه يكون منصّة “تواصلية” له ولمعركته مع جماعات ضاغطة ومؤثرة في دول مختلفة.

أما محطته المرتقبة في مركز تيار المستقبل، فقد تكون لانتزاع شرعية “سنّية”، وللإمساك بمفاصل الدولة في ما يتعلق بالوظائف والخدمات، فيقدّم الوعود للسنة بأنه ملجأهم وخلاصهم، طالما تيار المستقبل يتراجع، وغير قادر على توفير الخدمات لهم.

يخسر الحريري الشارع، ويخسر الخيار السياسي، وغير قادر على توفير الخدمات واحتياجات الناس. والناس المحتاجون يلجأون إلى من يلبي حاجاتهم، خصوصاً في ظل غياب “الخيار السياسي” الذي تنازل عنه الحريري لصالح اقتصاد في طور الانهيار.

.. وللانتحار
قد يعتبر الحريري أن ما يقوم به، تفرضه عليه الظروف التي لا تسمح بغير ذلك، نظراً إلى ما تحققه إيران في المنطقة، واحتمال توصلها إلى إتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي. لذلك يريد أن الانحناء الكامل، للحفاظ على موقعه، لئلا يكون ضحية التفاهمات.

لكن الحريري ينسى أنه قادر على أن يحفظ نفسه بإدارته الأمور بالحفاظ على شارعه الذي يمتلك زمامه. وهو يفقد هذا الزمام والتأثير بتخلّيه عن كل ما لديه من مقدرات، كأنه لا يقدم على الانتحار وحده،، بل ينحر معه البلاد وصيغتها، فيكون باسيل رئيس ظلّ ورئيس التيارين.

أحد رفاق رفيق الحريري قال لـ “المدن” بأسى وغضب: “دعوة باسيل استكمال للانتحار السياسي. فحتى في عزّ أيام 14 آذار، لم يدعُ المستقبل لا وليد جنبلاط  ولا سمير جعجع إلى زيارة مماثلة. لا في أوقات الخلاف، ولا في أعلى درجات التحالف. إنها خطوة لن تسبب إلا المزيد من الأزمات والتشنّج في بيئة المستقبل”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *