التيار العوني وحزب الله… نهاية النفاق

الاشتباك الحاصل بين التيار العوني وبين حزب الله، هو بلا شك خبرٌ سارٌ ، حتى ولو ظل في الفضاء الالكتروني، ولم يبلغ المجال السياسي، أو لم يسفرعن فك ذلك “الحلف المقدس” المستمر منذ اكثر من 14 عاماً، والمبني على واحدة من أعلى درجات الانتهازية السياسية ، التي أسهمت في ثباته برغم إستغراب جميع القوى والعواصم التي تعرف الفريقين عن كثب.

مبعث السرور أن الحلف هو الأشد زيفاً ونفاقاً من بين جميع الاحلاف السياسية التي شهدها البلد في العقود الماضية. فهو لم يعبر في الأصل عن طي واحدة من صفحات الحرب الاهلية، وتجاوز مؤثراتها، طالما أنه جمع بين فريقين إلتحقا متأخرين بتلك الحرب، ولم تتح لهما الفرصة للتمتع بجرائمها ولا التنعم بمغانمها، بل ظلا من الخوارج على الصيغة التي أنهت الحرب وأقفلت خطوط التماس بين المسلمين والمسيحيين.

لم يكن الحلف الثنائي يزعم أو يطمح الى تحقيق مصالحة إضافية بين جناحي لبنان الطائفيين، لأن تمثيلهما السياسي والشعبي لم يكن يؤهلهما لمثل هذا الدور الذي تنطحت له قوى أخرى إستندت الى تجاربها العريقة في إرتكاب المجازر الطائفية لكي تعلن نهاية الحرب وبدء مسيرة السلام والاستقرار والازدهار، بواسطة أمرائها الذين لم يكن بينهم أحد من  التيار العوني ولا من حزب الله..لا لنقص في الخبرة ولا في التجربة، بل فقط لأن الآخرين لم يفتحوا لهم بوابات السلطة، وحرصوا على إبقائهما مهمشين ومبعدين الى أقصى حد ممكن.

ما كان يعيب ذلك الحلف في حينه أنه كان لقاء بين أقصى التطرف الديني، الشيعي من جهة، وأقصى التشدد المدني ، الماروني من جهة أخرى، وظيفته الضمنية أن يواجه أقصى التطرف السني.. لكن الحال أن بقية التحالفات التي ظهرت في السنوات الثلاثين الماضية بين بقية القوى السياسية، لم تكن مبنية على حوارات فكرية ونقاشات ايديولوجية وقراءات تاريخية، ولا كانت تقدم برامج سياسية واقتصادية مشتركة. كانت على الدوام، ولا تزال، تعتمد على حسابات ظرفية، أشبه ما تكون بعملية تبادل أصوات ناخبين، تستوحي عمليات تبادل الاسرى والمخطوفين على خطوط التماس.

منذ البداية، كانت عين التيار موجهة نحو الرئاسة الاولى التي خُطفت منه في غفلة في ثمانينات القرن الماضي، وكانت عين الحزب مركزة على المقاومة وسلاحها الذي آن أوان إستثماره في الداخل، او على الاقل في حمايته من الخارج. وهكذا تفاهم الجانبان على مواجهة خصوم محليين يزدادون قوة، من دون أن يعني ذلك أن التيار نفسه صار بطلاً من أبطال المقاومة أو حتى شريكاً في كتابة تاريخها، لا سيما بعدما وجد في صفوفه عدد لا بأس به من عملاء العدو الاسرائيلي.. ومن دون أن يعني ذلك أن الحزب أصبح بطلاً من أبطال الدفاع عن حقوق المسيحيين ومصالحهم، أو شريكاً في كتابة سرديتهم التاريخية عن الحرب الاهلية حتى

الحلف المفتعل الذي صمد أكثر بكثير مما كان متوقعا، يترنح الآن، لكنه ربما لن يسقط. أحد طرفيه ما زال بحاجة إليه أكثر من الآخر. التيار العوني، الذي يموّه إنتهازيته دائما بعبارة “البراغماتية” المضللة، يشعر أن الوقت قد حان للتخفف من ذلك العبء، الذي لم يفيد في شيء لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في المال. فالمعضلة الكبرى اليوم، هي داخل الصف المسيحي، الماروني تحديدا، ومؤسساته المهددة بالانهيار، من المصارف الى شركات النفط الى قطاع التعليم الى السياحة.. وهي تتخطى قدرة الحزب وموقعه، وتوازي المخاطر السياسية والاقتصادية والمالية وحتى الأمنية الجسيمة التي تتعرض لها بيئته الشيعية.

هو خبرٌ سارٌ، لأنه في البدء يسمح بقياس دقيق ونهائي لشعبية التيار والحزب داخل بيئتيهما، التي تضخمت الى الحدود القصوى في الاونة الاخيرة. وهو ما يمكن أن يفرض عليهما إدخال تعديلات جوهرية على سلوكهما وبرامجهما، ورؤيتهما لمستقبل البلد، توقف الزيف والنفاق المتبادل، وتعتمد خيارات واقعية عاقلة، تحول دون المزيد من اطلاق النار العشوائي بينهما..الذي لم يعد شرطاً للاحتفاظ بالرئاسة الاولى، ولم يعد قادراً على حماية المقاومة وسلاحها!

المصدر: المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الصقر يحلّق حراً، والتيار يخرس! (بقلم ليبان صليبا)

  بعد أن بلغت قضية الأخوين الصقر مداها الأقصى قضائياً وسياسياً وتيارياً، بدأ المسار التراجعي ...