دفاع وأمن

البنتاغون يستعجل حروب الطيار الآلي وتداعياتها تثير الجدل

خلال خمس أو عشر سنوات على الأكثر، سيتمكن القادة العسكريون الأميركيون من تشغيل نظم قيادة وسيطرة متطورة تربط الطائرات والدبابات والسفن والغواصات والصواريخ عبر شبكة مركزية. وهذا ما سيسمح بمشاركة المعلومات بدقة واستخدامها بشكل متبادل في تدمير الأهداف، بل وفي تغيير خطط الهجوم في منتصف المعركة، وفقاً للمعلومات والبيانات المُحدثة التي تجمعها الشبكة من خلال مئات الآلاف من أجهزة الاستشعار المثبتة على الأسلحة وعبر النظارات الديجيتال التي بحوزة كل جندي.

لكن الأهم أن قادة البنتاغون سيتمكنون من استخدام الأسلحة بطريقة آلية تستغني عن البشر وقيود اتخاذ القرارات لديهم، مثل إرسال طائرات مقاتلة من دون طيار لتنفيذ مهام محددة، وتحريك غواصات أو طائرات مسيرة قادرة على اتخاذ قرارات بالقتل من تلقاء نفسها. غير أن التصورات الجديدة لحروب ما يسمى “الطيار الآلي” تثير أسئلة كثيرة وبعض الجدل حول تداعياتها وتعقيداتها حال تطبيقها.

يعد مركز شركة “نورثورب” للابتكار في مقاطعة ماكلين بولاية فيرجينيا، جنوب العاصمة واشنطن، واحداً من المراكز الأميركية التي تسابق الزمن لاستكمال إنتاج هذه النظم المتطورة. فخلال الأشهر القليلة الماضية، بدأت العديد من شركات تصنيع السلاح الأميركية عرض قدراتها أمام الصحافيين، فيما استعرض القادة العسكريون جهودهم في السباق التكنولوجي للربط بين الطائرات والدبابات والسفن الحربية والصواريخ وجنود المشاة ضمن شبكة واحدة، بهدف التغلب على أعداء الولايات المتحدة المحتملين عبر نظام أوتوماتيكي غير مسبوق للسيطرة الآلية والتحكم خلال سير المعارك.

بين الحاضر والمستقبل

في الوقت الراهن، تعتمد قدرة الجيش الأميركي على إدارة معركة ما على نظم قيادة وسيطرة ترتكز جزئياً على طائرات – غير شبحية – بعضها يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، مأهولة بأطقم تشغيل ضخمة تستخدم نظام “جيه ستارز”، وهو نظام راداري لمراقبة ورصد الأهداف المشتركة البرية والبحرية والجوية.

لكن في العصر الحديث، يخشى البنتاغون من أن مراكز السيطرة والتحكم المحمولة جواً، أصبحت أهدافاً ضخمة وهشة يسهل استهدافها من أي نظام متطور لدى أعداء الولايات المتحدة، ما قد يؤدي إلى تعميتها أو تعطيل اتصالاتها خلال أي هجوم أميركي. كما يعتمد الجيش الأميركي على شبكات ربط قديمة ومتهالكة تختلف في نوعيتها بين الطائرات وأجهزة الاستشعار والأسلحة الأخرى، الأمر الذي لا يتماشى مع متطلبات عمليات القتال الحديثة.

التشغيل 2028

ويعتقد مسؤولون أميركيون أن فكرة إنشاء شبكة موحدة للأسلحة المختلفة ستتحقق، فيصبح لديهم نظام جديد كامل للقيادة والتحكم والسيطرة، بحيث يبدأ تشغيله على مستوى أفرع القوات المسلحة الأميركية بحلول عام 2028.

وفي هذا الإطار، أطلقت شركة “نورثورب” ما يسمى الجيل الثاني من منصة القيادة الذاتية والتحكم السريعة الاستجابة. وتقول الشركة إنها تعمل على تطويره منذ 15 عاماً. لكن هذا النظام سيدعم مشروعاً آخر، يسمى النظام المتقدم لإدارة المعركة المعروف باسم “أيه بي إم إس”، وهو نظام يربط مجموعة واسعة من الأسلحة ببعضها بعضاً.

استعجال البنتاغون

ويقول الجنرال جون بليتشر، نائب مساعد وزير القوات الجوية الأميركية، إن المسؤولين في وزارة الدفاع يأملون في أن تصبح القدرات التكنولوجية الجديدة، قيد التشغيل بأسرع وقت. وهو ما يشير إلى استعجال القيادة العسكرية والسياسية تنفيذ هذه المشاريع من دون تباطؤ.

وقبل أيام، تقدمت وزارة الدفاع الأميركية بطلب الميزانية لعام 2021، الذي تضمن تخصيص 302 مليون دولار لاستكمال تطوير نظام رقمي (ديجيتال) للقيادة والسيطرة والتحكم، يربط مجموعة واسعة من الأسلحة وأفرع القوات المسلحة الأميركية بعضها ببعض ضمن شبكة مركزية موحدة.

ويزيد هذا الرقم بمقدار 144 مليون دولار عن الميزانية التي خصصت للنظام هذا العام. إذ يمثل النظام الجديد، وفقاً لموقع “ديفنس وان” الأميركي، جزءاً من رؤية أوسع للبنتاغون تسمى “جاد سي 2”. ويمثل هذا النظام محاولة لإنشاء شبكة لإدارة الحرب تربط السفن والطائرات والقوات معاً، بما يتيح لأفرع القوات البحرية والجوية والبرية والفضائية والقائمين على حروب السايبر، التشارك في المعلومات نفسها بدقة واستخدامها بشكل متبادل في تدمير الأهداف، حتى خلال الظروف التي تكون فيها الاتصالات مزدحمة أو تحت تأثير تشويش، أو في وجود نظم دفاع جوي متطورة للأعداء.

الهدف روسيا والصين

ولا يعتبر هذا النظام بمثابة دعاية أو تضخيم، بل يعد وصفة عسكرية لهزيمة خصم متقدم للغاية مثل روسيا والصين. كما سيخدم هذا النظام أولويات الإنفاق الجديدة الضخمة للجيش الأميركي، التي تركز على أسلحة التشغيل الذاتي المستقلة في اتخاذ قراراتها والذكاء الصناعي المتقدم وصواريخ الهايبر سونيك الفائقة السرعة.

وكانت “نورثروب” قد أجرت تجارب على الشبكة الجديدة لإدارة ساحة المعركة، حيث قامت في المرحلة الأولى بربط الغواصات الذاتية القيادة والتشغيل غير المأهولة بالبحارة، مع سفن حربية يقودها البشر. ثم بدأت الشركة العمل على لوحة قيادة وتحكم لتمكين القادة من رؤية ومتابعة كل سيارة أو مركبة عسكرية أو طائرة وجميع الأسلحة الأخرى في الترسانة العسكرية، بالإضافة إلى متابعة جميع التهديدات في ساحة المعركة وفقاً للبيانات التي ترصدها الأجهزة في الميدان.

وبعد ذلك تتم برمجة المعلومات وتحديثها تلقائياً وفقاً لتغير الظروف على الأرض، بما يتيح تغيير خطط المعركة، سواء كان ذلك عبر تقديم توصيات إلى القائد العسكري لاتخاذ القرار المناسب، كإرسال أوامر قتالية مباشرة ومهام عملياتية جديدة وإرسال طائرات مقاتلة لتوجيه ضربات عسكرية، وتحريك طائرات درون لمرافقة الطائرات المقاتلة بهدف التشويش على الدفاعات الجوية للعدو طوال العمليات العسكرية.

حرب الطيار الآلي

يزعج مفهوم الحرب الآلية، التي تكون فيها الأسلحة قادرة على القيادة الذاتية واتخاذ قرارات القتل بنفسها، المعروفة بالحرب على طريقة “الطيار الآلي”، بعض الهيئات الرقابية ومنظمات المجتمع المدني. غير أن مسؤولي شركة “نورثروب” يؤكدون أن القادة العسكريين سيكونون قادرين على توجيه كل الأسلحة في ساحة المعركة، لضمان الالتزام بأسس العقيدة العسكرية وقواعد الاشتباك وقوانين الحرب.

وبينما سيكون القائد العسكري قادراً على اتخاذ قرار حول القواعد التي سيتبعها في الحرب، إلا أن النظام الجديد “جاد سي 2” يسمح له بتكليف طائرة مسيرة على سبيل المثال بمهمة قتالية وإرسالها للتنفيذ حتى لو انقطع الاتصال بها أو تعرضت للتشويش.

وفي كل الأحوال، فإن الفكرة تقترب من الأحكام السابقة للبنتاغون التي رافقت عصر الروبوت، وهي ألا يتم إقصاء البشر أبداً من اتخاذ القرارات المتعلقة بالقتل.

مخاوف داخلية

في مايو (أيار) الماضي، بدأ البنتاغون في مناقشة نظام “جاد سي 2″، بإصرار من الجنرال بول سيلفا، الذي كان يشغل وقتها نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة. إذ شكلت هيئة الأركان المشتركة فريقاً متعدد المهام من ذوي الخبرة لتقديم المشورة في الأمور المتعلقة بنظم القيادة والسيطرة بهدف ضمان أن تكون جميع الأفرع العسكرية على تواصل واطلاع مع بعضها بعضاً ضمن حلقة بيانات واحدة ضخمة، وفقاً لما صرح به الجنرال إريك ويلسي، مدير مركز العقود المستقبلية للجيش.

وبينما تقوم القوات الجوية بدور كبير في هذا الإطار، دعت هيئة الأركان المشتركة قائداً من القوات البرية وآخرين من الأفرع الأخرى للمشاركة في مؤتمر سري حول نظام “جاد سي 2” في قاعدة نيليس الجوية بولاية بيفادا الأميركية. وأكد الجنرال ويلسي أن قادة القوات البرية لديهم مخاوف من أن تجاربهم وأفكارهم ومعاييرهم المتعلقة بالبيانات والأجهزة سيتم تجاهلها أو إهمالها ضمن جهود القوات الجوية وأن النظام سيمنح الأولوية للقوات الجوية على حساب القوات البرية.

وأكد الجنرال مايك موراي، رئيس قيادة العقود المستقبلية في الجيش، أن متابعة ساحة المعارك تقتضي ربط القوات الموجودة داخلها، وهذا عمل ضخم، لأنه أكبر من مجرد تشييد روابط بين 200 طائرة، إنما ربط مئات الآلاف من أجهزة الاستشعار بما فيها ربط الأجهزة المرتبطة بكل جندي على الأرض ضمن نظام التعزيز البصري المتكامل المعروف باسم “إيفاس”، الذي يعتمد على نظارات الديجيتال المتوفرة مع كل جندي من القوات البرية.

ما الذي ستفعله الأسلحة الذاتية القرار؟

يشير وليام روبر، مساعد وزير القوات الجوية لشؤون النقل والتكنولوجيا، إلى أن الأسلحة الذاتية التشغيل والقرار ستقوم بالتأكيد بأكثر مما تفعله الآن. لكن فكرة أن تتخذ هذه الأسلحة قرارات مستقلة ذاتياً بالقتل هي ضد سياسة وزارة الدفاع الأميركية، لكن هناك استثناءات عندما يكون هناك أمر مبرمج للدفاع عن النفس.

ويعبر روبر عن تصوره بأن تشييد شبكات القيادة والسيطرة الحديثة سيسمح بمساحة أكبر من هذه السياسة. ذلك أن هناك مشكلة تتمثل في أن كثيراً من البيانات لا تصل إلى الذين يمكنهم اتخاذ قرارات بناء على هذه البيانات.

ويقول بول شار، مدير برنامج التكنولوجيا والأمن القومي في مركز الأمن الأميركي الجديد، إن استخدام أسلحة القتل الذاتية التشغيل والقرار يتماشى مع العقيدة العسكرية الأميركية، ولكن بعد إجراء عملية مراجعة.

ويبدو أن الأمر غير واضح لدى قادة البنتاغون. إذ يوفر التوجيه الرسمي الخاص بالوزارة للقادة خيار بناء أسلحة ذاتية التشغيل ومستقلة في اتخاذ قراراتها بالقتل، ويمكن لهم اختيار عدم تنفيذ هذا الخيار، بل ورفض نظم التسليح هذه. كما أنه من غير الواضح ما إذا كان قادة وزارة الدفاع يسيئون فهم التعليمات والتوجيهات المدرجة في سياسة الوزارة.

ويشير خبراء إلى أن الأمر يتطلب إعادة النظر في القواعد الأساسية والتنظيمية حول من يجب أن تكون لديه القدرة على التحكم واتخاذ القرار خلال أي معركة تستخدم فيها هذه النوعية من الأسلحة.
ويشير أحد المتعاقدين مع وزارة الدفاع إلى أنه سواء كان قادة البنتاغون مستعدين لتغيير العقيدة العسكرية أم لا، فإنهم سيواجهون بلا شك حقائق الحياة وبسرعة.

المصدر : اندبندنت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق