تحت المجهر

الأدوية الإيرانية تتسلل إلى السوق اللبنانية في عز أزمة كورونا

تُباع بأسعار أعلى من نظيراتها الأكثر فاعلية... ويمكن أن تُعطى في المستشفيات من دون العودة إلى رأي المريض

ليست هذه المحاولة الأولى لإدخال الدواء الإيراني إلى لبنان وإنّما هي بالتأكيد المحاولة “الأنجح”، ففيما يغرق لبنان في التصدي لانتشار وباء كورونا، الذي سُجلت أول إصابة فيه على متن طائرة آتية من إيران، مُرِّر بصمت تسجيل 6 أدوية إيرانية غير مستوفية كامل شروط وزارة الصحة اللبنانية، في سابقةٍ حذّر منها الأطباء وتعهّدت لجنة الصحة النيابية بمتابعتها.

القصة القديمة – الجديدة بدأت عندما تولّى وزير الصحة السابق جميل جبق المقرّب من حزب الله مهماته، فتدخّل شخصياً على خط تسجيل 24 دواءً إيرانياً قُدمت طلبات تسجيلها إلى وزارة الصحة التي وبحسب الإجراءات المرعية، ترفع الطلب إلى اللجنة الفنية التابعة للوزارة والمؤلفة من طبيبَيْن وصيدليَّيْن و4 أعضاء آخرين لتمنح موافقتها بعد استيفاء كل الشروط، فيُعتمد الدواء في السوق المحلية.

بالتفاصيل وفي سبتمبر (أيلول) 2019، تم التقدم بطلب لتسجيل أدوية “بيو-متشابهة” (Bio Similar) إلى وزارة الصحة اللبنانية، وهو إجراء يحتاج عادةً إلى أشهر عدّة قبل الوصول إلى اللجنة الفنية، ولكن رُفعت ملفات هذه الأدوية إلى اللجنة المذكورة بعد مرور أقل من شهر، بتدخل من الوزير السابق جبق، لتُصدِر اللجنة في 25 سبتمبر الماضي، قرارها بتعليق هذه الأدوية بانتظار مستندات إضافية والاستحصال على شهادات من مختبرات عالمية، ليعود جبق ويتدخل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بطلب استثنائي لتسريع تسجيل هذه الأدوية، لتردّ مرةً جديدة اللجنة الفنية في وزارة الصحة بعدم قدرتها على التسجيل إلى حين اكتمال الملفات والتجارب الإضافية والاستحصال على شهادات من مختبرات مرجعية.

ويُذكر أنّ لبنان يعتمد 14 مختبراً مرجعياً معظمها في أوروبا، أما بالنسبة إلى الأدوية الـ “بيو-متشابهة”، فالمختبر المعتمد موجود في إسبانيا واسمه كيموس (KIMOS) ويحتاج عادةً إلى سنة من التجارب قبل إصدار شهاداته واعتماداته لاستعمال الدواء.

أما المفاجأة الكبرى، فظهرت في 1 أبريل (نيسان) الحالي، عندما نشرت وزارة الصحة لائحةً تتضمّن ستة أدوية إيرانية مسعّرة، ما يعني أنها أصبحت معتمَدة من قبلها وبالتالي يمكن استيرادها وإدخالها إلى لبنان للتوزيع. كما يعني نشر لائحة الأدوية بأسعارها أيضاً، السماح باستعمالها من قبل “مؤسسة الضمان الاجتماعي” التي تؤمّن التغطية الصحية للعمال والمواطنين غير القادرين على الانتساب إلى شركات التأمين الخاصة.

والأخطر بشأن هذه الأدوية أنها مخصّصة للأمراض المستعصية وعبارة عن حُقن تُستعمل في المستشفيات، لذلك لا يمكن للمريض اختيارها، بل ستُعتمد لطبابته من دون أخذ رأيه.

ويبقى السؤال الأهم: كيف اعتُمدت هذه الأدوية من دون شهادات من مختبرات مرجعية، ولماذا؟

خرق للقوانين ومخاطرة بحياة اللبنانيين

أوضح الباحث في الأمراض السرطانية الدكتور هادي مراد لـ”اندبندنت عربية” أنّ “ما يحدث يشكّل فضيحةً كبيرة في تاريخ الطب اللبناني وتسجيل الأدوية في لبنان، فنقص التحاليل المخبرية للأدوية المتشابهة بيولوجياً (Bio Similar) يُعدّ مخالفةً فاضحة للقوانين. والاسوأ أنه فيما يواجه لبنان أزمة كورونا، وهنا وزارة الصحة معنية مباشرةً بالتصدي للأزمة، ينشغل بعض موظفيها بإدخال أدوية غير مستوفية الشروط إلى السوق المحلية، لا بل أكثر من ذلك، يعرضون حياة المواطنين للخطر. فأي دواء في لبنان يجب أن يسلك مساراً واضحاً لتسجيله والأدوية البيو-متشابهة تتطلّب عدداً كبيراً من التحاليل، كونها تشبه الدواء الأصلي ولكنها تختلف من حيث المكوّنات. كما يجب اعتماد الأدوية المصادَق عليها من قبل منظمة الصحة العالمية (WHO) وإدارة الأغذية والعقاقير الأميركية (FDA) والأوروبية (EMA). ولم يُحترم أي من هذه المعايير في اعتماد الأدوية الإيرانية”.

وأشار إلى أنّ “الأدوية الإيرانية التي تمّت المصادقة عليها لا يمكن للمريض أن يختارها، بل سيتلقّى العلاج الذي يُعطى له من دون معرفة بلد المنشأ”. 
وتخوّف من وصول هذه الأدوية إلى المستشفيات الحكومية “بخاصة في حال أجرت وزارة الصحة مناقصات تفوز بها الشركة المستوردة لهذه الأدوية، تحديداً إذا غابت الرقابة”.

وأعرب مراد المتابع للملف عن استغرابه من أنّ “أدوية من البرتغال وإيطاليا وهما من الدول المرجعية، تم التقدم بتسجيلها إلى وزارة الصحة عام 2017، ولم يُبتّ بشأنها قبل نوفمبر 2019 أي بعد مدة سنتين، فيما وصلت الأدوية الإيرانية إلى السوق خلال أقل من 6 أشهر”.

أسعار أدوية مشابهة أعلى من الأدوية الأساسية

كذلك استغرب الباحث في الأمراض السرطانية من ارتفاع أسعار الأدوية الإيرانية غير مثبتة الجودة، إذ إنّ “تسعيرة الوزارة أعلى من أسعار أدوية أخرى أميركية أو أوروبية الصنع مثبتَة ومعتمدَة حول العالم، بينما يُعرَف أنّ أسعار الأدوية البيو-متشابهة يجب أن تكون أقل بنسبة 40 في المئة عن سعر الدواء الأساسي”.

وقال مراد إنه خلال مؤتمر للأدوية البيو-متشابهة (bio similar forum) الذي عُقد في بيروت في 20 فبراير (شباط) الماضي، “كشف طبيب يُدعى جيلبير هرنانديز عن أنّ هذه الأدوية الإيرانية استُعملت في أميركا اللاتينية وتسبّبت بآثار جانبية كبيرة لدى المرضى، فرُفض استعمالها”، مندّداً “أما في لبنان، فتُعتمد 6 أدوية منها للأمراض المستعصية”.

المصدر: ”اندبندنت عربية”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق