رأي حر

إلى يوزباشي حمانا (بقلم عمر سعيد)

حين كنتُ صغير ، كنتُ أرى وطني مملوءاً بصور قادة الشرق ونصف العالم ، تلك الصور التي كانت تحتل جدران البنايات والأسوار ، وأعمدة الإنارة في الشوارع والأزقة والساحات ..

حتى أني كنت أرى مئات بل ألوف السيارات والشاحنات صغيرها وكبيرها يُزنر زجاجها الخلفي أو مقدمتها الأمامية بصورة لزعيم ما ..
كانت كل مساحة تحتل صورة لزعيم تشكل محمية مافيوية لذلك الزعيم ..

نرتاب إذا مررنا قربها ، ونتلمس أعناقنا وأجسادنا إذا ما عبرنا تحتها ..

هنا الأسد وذلك صدام وهناك عبدالناصر وهنالك أبو عمار وفي مكان آخر حاوي و جبريل وغيرهم وغيرهم.

وكانت أزقتنا وحاراتنا ونواحينا تغص بمن يسبحون بحمد وعزة تلك الآلهة الوافدة إلينا من غير سماوات الله والوطن ..

ولا شك أنك تذكر ، كيف كانت مهمتك تقتصر فقط على التأكد من الأوراق الثبوتية لمتهم أعزل لا رب له يحميه ، ساقته عثرة حظه إلى مكتبك المسكون بالعجز والملل والضجر ..

ولكنك لو كلفت نفسك الالتفات بذاكرتك قليلا إلى الوراء ، للفت انتباهك أن الجدار الخلفي لمكتبك كان يخلو من صورة رئيس البلاد حينها ..
البلاد التي كانت في تلك الأيام لا تجمع على أهمية الدولة والسيادة ، وليس فقط أهمية الرئيس وبغض النظر عن من هو .

لم نكن يومها في وطن ..
كنا في مزارع مصانة بالذئاب والكلاب والقتلة المأجورين ، وقد كنت أنت واحداً منا نحن القطعان المساقة بعصا الطائفية وبندقية العصابات .

بالأمس أيها اليوزباشي ، اشتعلت دماء أطفال بحب الوطن ، واستعرت الثورة في شرايينهم ، فخططوا ، وتسللوا ، ومزقوا يافطة لحزب رئيس وصورة له ..
فاشتعلت دماؤك ولاء للشخص ، فانتفضتَ ، وغضبت ، ونزلت تزمجر ، وأوقفت فراشات الضوء الرقيقة ..

ولا زلت أنا – من لحظة سماع الخبر – أتساءل عن دوافعك في تلك الفعلة ؟!

أحقاً أهان الأطفال البلاد التي أهانت طفولتهم وطفولة آبابائهم وأجدادهم ، وقطعت أحلامهم ، بمقاصل أمثال هذا الحاكم الذي تحمي أنت ببدلتك صورته ؟!
أحقاً أساءت لسيادتك وصلاحيتك أكف الزنبق، تحاول أن تمزق صورة غول أكل عسكره في معاركه المهزومة ، وخلف جثثهم وفر ليعود رئيساً للفاسدين فقط ؟!
وكيف بررت الأمر لأطفالك وأطفال من حولك حين عدت إلى بيتك ، وسألوك عن معركتك الشهيرة ، أقلت لهم أنك انتصرت على الإرهاب ، وحررت جرود حمانا ؟!
وكيف تهربت من الإجابة عن سؤال أحد الأطفال اثناء التحقيق ، عندما سألك ببراءته : ليش ما حبستوا اللي خطفوا الدرك وقتلوهم بجرود عرسال ؟!
يا أيها اليوزباشي المليء بكل أنواع الفساد ، والخالي من الوطنية :
ما عاد صاحب الصورة يعني نصف شعبك ، ولقد سقطت صورته عند أقدام السعاة إلى الحرية في الساحات الثائرة ..

فلا تتعب نفسك بإعادة تعليقها من جديد ، لأنك ستقضي الوقت منحنياً، تحاول استعادتها من تحت الأقدام الثابتة في قلب الوطن دفاعاً عن معاشك المنهوب أيها المسكين .
عمر سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق