تحت المجهر

إدارة الأزمات Crisis Management (بقلم ع. يعرب صخر)

هو فن التعامل مع الأزمات والكوارث باستباق حدوثها والتوقع الدائم لوقوعها استدراكا” لتقليص مخاطرها والتخفيف ما أمكن من تأثيراتها لدى حدوثها، ثم استقاء العبر والدروس بعد وقوعها لتقييم الأداء وتحسينه وتطويره feedback. 

هو عبارة عن كيان أو جهاز مركزي يتفرع إلى خلايا لا مركزية من ذوي الإختصاص بعيدا” عن الأنظار والبيروقراطية، في كل مجال: الأمني، الاقتصادي، المالي، الاجتماعي…لها صلاحيات تنفيذية وتقريرية تتسم بالتوية، و باتصال مباشر وفوري مع كل رأس في وزارة أو إدارة، وبجهازية كاملة الأوصال….تتبع مباشرة” لمجلس الوزراء لتشريع قراراتها وبالتالي تحمل مسؤولياتها.
 
الغرض الأساسي من تشكيل هذا الكيان أو المجلس، هو الترقب والتهيؤ الدائم للأزمة أو الكارثة تلافيا” لوقوعها، اولا”، وثانيا” ربط كل إدارات الدولة في حالة نفير منظم وأداء منسجم عند وقوعها، حيث لا ترمى المسؤولية جزافا” وينحصر نجاح العمل أو التقصير في تلبية مقررات هذا الكيان، فيصير بالإمكان وضع الإصبع مباشرة” على مكامن النجاح والفشل سواء بسواء.

قد يقول قائل: لدينا مجلس أعلى للدفاع، أو هناك هيئة اغاثة، أو مجلس وزراء مصغر، أو غرفة عمليات، أو أرهاط تابعة لكل وزارة….صحيح ولكنها جميعها بيروقراطية سياسية طائفية، مقيدة الصلاحية ومحددة المهام، والأهم ان عملها مقتصر على ما بعد وقوع الأزمة، أي الإدارة بالأزمة (الأزمة تديرنا بدل أن نديرها).
بالمنقلب الآخر؛ قد يقال أن ذلك يكلف اعباء” نحن في غنى” عنها في ظل هذا الانحطاط والشح الغير مسبوق. والجواب هنا: اولا”، هي نسبة مئوية هزيلة من كل وزارة أو إدارة لأن خلية الأزمة تكون عندها من جاهزيتها الأصلية. ثانيا”، إن مترتبات ومخلفات الأزمة تضاهي كلفة إنشاء هذه الخلايا ومجلسها المركزي اضعافا” مضاعفة. ثالثا”، إن إلغاء جهاز ما دون جدوى أو وزارة دولة بلا فائدة أو مصاريف جمعية خيرية…يكفي لتغطية تكاليف هذا الجهاز الحيوي ويزيد.

نحن بأمس الحاجة للمبادرة فورا” إلى تأسيس مجلس أو جهاز إدارة الأزمات والكوارث. هذا قلناه سابقا” وتكرارا” أينما تسنى لنا وكيفما وحيثما استطعنا، مستقين ذلك من غيرتنا على بلدنا ومواطنينا، ومما تعلمناه وخبرناه وعانيناه على مدى عقود من التأزم  والفشل المتعاقب. 

في كل دول العالم العصري هناك جهاز متكامل لإدارة الأزمات يطغى بعمله الإجرائي والتنفيذي والتقريري على أعلى سلطة في بلاده. وهو علم وفن بحد ذاته أول ما نشأ عند أزمة الصواريخ الكوبية ١٩٦٢، حيث بحنكة الرئيس الأميركي كنيدي وحسابات الروسي خروتشوف في حينه، جنبا العالم أزمة نووية كان الإصبع فيها على الزناد. في كلا البلدين وقتها شكلت خلية أزمة بتواصل مباشر توصلا إلى مخرج بإزالة صواريخ برشينغ الأميركية من تركيا مقابل إزالة الصواريخ السوفيتية من كوبا، وانتهت الأزمة في الوقت الذي كان فيه وزيرا الدفاع قد جيشا كل شيء للضربة النووية الاستباقية، وكلا الرئيسين لم يصغيا إلا لما قررته خلية الأزمة في ذلك الوقت.
للأسف هناك أضخم مركز لإدارة الأزمات في الشرق الأوسط متواجد في مصر، لكن يعلوه الغبار، لأن الأنظمة الراديكالية لا تولي شأنا” إلا لما يخرج من فم رئيس النظام. وهناك أمثلة أخرى صادمة لن اطرقها الآن كيلا اتطرف في الحديث. المهم؛ أنبري للتشديد على أهميته هنا في لبنان البلد الديموقراطي الليبرالي الحر الوحيد وسط هذا المحيط الشرق أوسطي. فلا يمنعنا ولا ينقصنا إلا العمل الجاد لاتخاذ هذا القرار ووضعه فورا” موضع التنفيذ.

وبالملاحظة: هذا يقودنا ايضا” إلى وضع الإستراتيجية الدفاعية، وكذلك هي من الحيوية والأهمية بحيوية وأهمية إنشاء جهاز إدارة الأزمات. 
وإذا شئتم اطرحها أمامكم حيث أعددتها منذ مدة.

         ١٦/١٠/٢٠١٩
   العميد الركن المتقاعد يعرب صخر.  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *